DELMON POST LOGO

"انتقام البطاركة: لماذا يخاف المستبدون النساء"

بقلم : عبيدلي العبيدلي
يحلو للبعض القول إن شهر مارس هو شهر المرأة، حيث تحتفل فيه المرأة بــــ "اليوم العالمي للمرأة". وفي مارس أيضا هناك "يوم الأم". مثل هذه المناسبات النسائية وأخرى كثيرة مثلها في أشهر أخرى من السنة، تعطي انطباعا لدى من يتابع تطورات الحركة النسائية على المستويين العالمي والعربي أنها، أي المرأة، قد تمكنت من انتزاع الكثير من حقوقها الطبيعية، بل يتوهم البعض الآخر، وهو مخطئ في ذلك، أن المرأة "نالت أكثر مما كانت تتوقع، أو حتى تستحق".
بخلاف ذلك، تصدم ذلك الواهم مقالة مطولة ومقنعة في آن، نشرتها مجلة "الشؤون الخارجية" (FOREIGN AFFAIRS)  الأمريكية، في (العدد 02 من المجلد 101 لشهري مارس وأبريل ص ص (103 - 116). إذ تذهب المقالة إلى ما هو عكس ذلك التوقع تماما.
يستشف القارئ ذلك من الوهلة الأولى حين يطالعه عنوان المقالة " انتقام البطاركة: لماذا يخاف المستبدون النساء".
تستهل الكاتبتان  مقالتهن بإشارة تاريخية إلى استبداد القادة، ومن بينهم صناع القرار، عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، بدءا من "من نابليون بونابرت، الذي رفع تجريم قتل الزوجات الخائنات، إلى بينيتو موسوليني، الذي ادعى أن النساء (لم يخلقن أي شيء أبدًا)". وتشير المقالة إلى أنه وعلى الرغم من أن "القرن العشرين شهد تحسنًا في مساواة المرأة في معظم أنحاء العالم، فإن القرن الحادي والعشرين يوضح أن كراهية النساء والاستبداد ليسا مجرد مرضين مشتركين، ولكنهما مرضان يعزز كل منهما الآخر. فعلى مدار القرن الماضي، نالت الحركات النسائية حق التصويت للمرأة. وتوسيع دائرة وصول المرأة إلى رعاية الصحة الإنجابية والتعليم والفرص الاقتصادية؛ وبدأت تترسخ مبادئ المساواة بين الجنسين في القوانين المحلية والدولية. مثل هذه الانتصارات توافقت مع موجات غير مسبوقة من التحول الديمقراطي في فترة ما بعد الحرب. لكن في السنوات الأخيرة، شن القادة الاستبداديون هجومًا متزامنًا على حقوق المرأة والديمقراطية يهدد بدحر عقود من التقدم على الجبهتين".                                
وتلفت المقالة النظر إلى أنه "ليس من المستغرب أن التمكين السياسي والاقتصادي للمرأة يتباطأ الآن، وهو آخذ في التراجع في جميع أنحاء العالم. فوفقًا لمؤشر المرأة والسلام والأمن بجامعة جورج تاون، فقد تباطأ تنفيذ قوانين المساواة بين الجنسين في السنوات الأخيرة، وكذلك المكاسب في التحصيل التعليمي للمرأة وتمثيلها في مجالس النواب الوطنية. في الوقت نفسه، ازداد عنف الشريك الحميم، وشهدت هندوراس والمكسيك وتركيا زيادات كبيرة في قتل الإناث. كما أدى تفشي جائحة كوفيد -19 إلى تفاقم هذه الاتجاهات في جميع أنحاء العالم، مما أجبر ملايين النساء على ترك أعمالهن وتلقي رعاية إضافية غير مدفوعة الأجر، وتقييد وصولهن إلى الرعاية الصحية والتعليم، والحد من خياراتهن للهروب من سوء المعاملة".
وتربط المقالة بشكل واضح وصحيح، ومحبط أيضا بأنه "ليس من قبيل المصادفة أن مساواة المرأة تتراجع في نفس الوقت الذي يتزايد فيه الاستبداد. فقد لاحظ علماء السياسة منذ فترة طويلة أن الحقوق المدنية للمرأة والديمقراطية يسيران جنبًا إلى جنب، لكنهم كانوا أبطأ في إدراك أن الأول هو شرط مسبق للأخيرة. ولدى الحكام المستبدين والسلطويين الأبويين سبب وجيه للخوف من المشاركة السياسية للمرأة: عندما تشارك النساء في الحركات الجماهيرية، فمن المرجح أن تنجح هذه الحركات ويؤدي ذلك على الأرجح إلى ديمقراطية أكثر مساواة. بعبارة أخرى، تشكل النساء المتحررات بالكامل والناشطات سياسيًا تهديدًا للقادة الاستبداديين وذوي الميول الاستبدادية - وبالتالي فإن هؤلاء القادة لديهم سبب استراتيجي ليكونوا متحيزين على أساس الجنس".
وتحاول المقالة أن تربط بشكل وثيق بين ما يفسر أن "العلاقة بين التحيز الجنسي والتراجع الديمقراطي أمرًا حيويًا لأولئك الذين يرغبون في مقاومة كليهما. إذ يتحد المستبدون الراسخون والقادة القوميون اليمينيون في الديمقراطيات المتنازع عليها في استخدامهم للعلاقات الهرمية بين الجنسين لدعم حكم قومي يهيمن عليه الذكور من أعلى إلى أسفل. فبعد أن قاتلت الحركات النسوية طويلاً ضد التسلسلات الهرمية الاجتماعية التي تعزز السلطة في أيدي قلة من الناس. ذلك إن هذه الحركات النسوية هي سلاح قوي ضد الاستبداد. ولذلك نجد أولئك الذين يرغبون في عكس مسار الانحدار الديمقراطي العالمي لا يمكنهم تجاهلها".
وتؤكد المقالة على ذلك التزامن الواضح بين "الاعتداء على حقوق المرأة مع اعتداء أوسع على الديمقراطية. فوفقًا لمؤسسة (فريدوم هاوس) ومشروع "أصناف الديمقراطية" بجامعة جوتنبرج، شهدت السنوات الخمس عشرة الماضية انتعاشًا سلطويًا مستدامًا. وتراجعت معه الديمقراطيات الجديدة نسبيًا، مثل البرازيل والمجر والهند وبولندا وتركيا، نحو الاستبداد أو أخذت في الاتجاه نحو هذا المنحى. فقد أصبحت البلدان التي كانت تعتبر استبدادية جزئيًا قبل عقد من الزمن، مثل روسيا، أنظمة استبدادية كاملة. وفي بعض أقدم الديمقراطيات في العالم - فرنسا وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة - تتصاعد المشاعر المعادية للديمقراطية في الأحزاب السياسية القائمة".
وتنهي هذه المقالة دعوتها إلى أن أي نهوض جديد للمرأة لا بد وان يقود إلى فشل الاستراتيجيات الاستبدادية، دون ان تغفل ردة فعل الاستبداد الأبوي الذكوري بالقول "إذا كان التاريخ هو أي دليل، فإن الاستراتيجيات الاستبدادية ستفشل على المدى الطويل. لطالما وجدت النسويات طرقًا للمطالبة بحقوق المرأة وحرياتها وتوسيعها، وتعزيز التقدم الديمقراطي في هذه العملية. لكن الاستبداد الأبوي غير الخاضع للرقابة يمكن أن يلحق أضرارًا كبيرة على المدى القصير، ويمحو المكاسب التي تحققت بشق الأنفس والتي استغرقت أجيالًا لتحقيقها".
تثير المقالة – ما ورد أعلاه في المقتطفات أمثلة محدودة مقارنة بما أوردته المقالة -  الكثير من التساؤلات في ذهن قارئها العربي بشأن واقع المرأة العربية التي ما تزال، رغم المعارك الشرسة التي خاضتها هذه المرأة، والتضحيات الجسيمة التي قدمتها، ترزح تحت ذلك القمع المتعدد الأوجه الذي هو محصلة تكالب مجموعة من العناصر المحلية التي ما تزال تنشب أنيابها في أجساد القوانين التي حاولت ان تنصف المرأة، أبرزها: الإرث التاريخي الثقيل الذي تحمله المجتمعات العربية على كاهلها، سوية مع القوانين الوضعية المعمول بها في البدان العربية. ويتكامل كل ذلك مع الأنانية الذكورية التي لم يستطع ان يتخلص منها الرجل العربي، رغم كل ادعاءاته الشكلية والمظهرية.
كل ذلك يؤكد، انه على مستوى البلدان العربية، شأنها في ذلك شأن دول أخرى، ما زالت الحركة النسائية ضحية تكالب مجموعة من العوامل الظاهرة والمتسترة. ولذلك تشهد الحقوق النسائية في جميع تلك البلدان ما يمكن وصفه بالانتكاسة التراجعية، سببها التدهور الواضح في الممارسة الديمقراطية التي أصبحت في حاجة ملحة إلى دعوة نهضوية جديدة لا تقف حدودها عند المطالبة بحقوق الرجل، والتي هي الأخرى ما تزال ناقصة، فحسب، بل يتسع نطاقها كي يصل إلى دعوة شاملة تطالب بنيل المرأة حقوقها الشرعية الجوهرية دون الوقوف للقبول بتلك المغلفة بمساحيق تجميلية.