DELMON POST LOGO

الفساد في النخبه الحاكمه في أمريكا

بقلم :عبدا النبي العكري

تشهد الولايات المتحده الاميركيه لأول مره في تاريخها تحقيقات نيابيه وقضائيه لقطبي النخبه الحاكمه للولايات المتحده وهما الرئيس الأميركي الحاكم جو بايدن والرئيس الاميركي السابق والزعيم الفعلي والمرشح الرئاسي للحزب الجمهوري المعارض دونالد ترمب.

وتجري هذه التحقيقات وسط انقسام سياسي حاد في المجتمع الأميركي,وتصادم  مابين الحزبين الديمقراطي والجمهوري بحيث انحسر  مجال توافق الحزبين حول قضايا وطنيه حيويه  . ومثالا على ذلك فان  الحكومه الفيدراليه مهدده بالاغلاق عدى بعض الاعمال الحيويه حيث ينتهي التفويض القانوني الحالي بنهايه 30 سبتمبر2023 ، ويتطلب استمرار عمل الحكومه الفدراليه إقرار ميزانيه 2023-2024 قبل 1 أكتوبر2023 من قبل المجلسين الشيوخ والنواب وتصديق الرئيس عليه .ويعود الفشل في ذلك بسبب عجز رئيس مجلس النواب الجمهوري  كيفن مكارثي وزعيم الاغلبيه المهوري ستيف سيلي التوافق مع زعيم الاقليه الديمقراطيه حكيم جيفري على إقرار الميزانيه .وبالمثل فقد رفضت الكتله في مجلس الشيوخ الاتفاق مع الكتله الديمقراطيه لاقرار الميزانيه .ويقتصر الامر حاليا  على الاتفاق لتمديد العمل بالميزانيه الحاليه لشهر ثم تفاوض ممثلي الحزبين الديمقراطي والجمهوري على ميزانيه توافقيه واقرارها.وبالنسبه لمجلس الشيوخ والذي ترأسه نائبه الرئيس كاميلا هاريس فان زعيم الاقليه  النسبيه الجمهوريه  ميش مكنويل عاجز أيضا عن التوصل لاتفاق مع زعيم الاغلبيه النسبيه الديمقراطيه شارلز شوم.ويعود ذلك أساسا لانقسامات في صفوف الجمهورين في المجلسين وتشدد مجموعات منهم ترفض التسويات مع الديمقراطيين.

في هذه الأوضاع الانقساميه في الكونجرس , وفي المجتمع الأميركي وعمليه الاستقطاب ,تجري عمليتين متشابكتين وفي سباق محموم مابين الاجرءات القانونيه لمحاكمه الرئيس السابق دونالد ترمب من قبل المحاكم الفدراليه من ناحيه وإجراءات ادانه وعزل الرئيس جو بايدن في مجلس النواب ذات الاغلبيه الضئيله للجمهوريين.

ملاحقه ترمب قضائيا

بدات التحقيقات القانونيه مع دونالد  ترمب ,وهو اول رئيس أميركي توجه له تهامات رسميه خطيره ,مباشره بعد أيام من مغادرته البيت الأبيض في 20-1-2021 دون تسليم البيت الأبيض لخلفه بايدن حيث رفض التسليم بنتائج الانتخابات الرئاسيه التي خسرها لصالح بايدن ووصفها بانها مزوره.ولذى  شجع مناصريه على اقتحام مبنى الكونجرس في 6-1-2021 في سابقه هي الاولى  في التاريخ الأميركي.ثم تتالت التحقيقات من قبل عده محاكم فيدراليه ومحليه في عده ولايات اميركيه .ومن هذه واشنطن العاصمه حيث اتهم من خلال رفضه قبول نتائج الانتخابات باعتبارها مزوره والتحريض على اقتحام الكونجرس ، باعاقه العمليه الديمقراطيه بانتقال السلطه لخلفه الديمقراطي جوبايدن, وفي فلوريدا لاحتفاضه بملفات فدراليه سريه في بيته ,وفي ولايه جورجيا لتوجيهه أوامر لسكرتير الولايه براد رافينسبيجر لتحويل أصوات الاف الناخبين لصالحه .وفي نيويورك حيث لترمب مصالح ضخمه اتهم ترمب بالتهرب الضريبي والاحتيال واعاقه العداله.والى جانب ترمب فان هناك العشرات من مساعديه  متهمون ايضا في كل قضيه  .وحيث ان مصالح ترمب التجاريه تشمل عده ولايات فانه يتوقع اتهامه قانونيا بخروقات في اكثر من ولايه .

كما ان ترمب رغم هزيمته الانتخابيه في 2020 لم يسلم بالامر وتصدر الحزب الجمهوري وحملاته للترشح للرئاسه حيث يتقدم الصفوف بفارق كبير وشارك في الحملات الانتخابي دعما للمرشحين الجمهوريين خلال انتخابات مجلسي النواب والشيوخ في يونيو 2023,وخلال هذه الحملات لم يتوقف عن الطعن في قانونيه الاتهامات الموحهه اليه في جميع القضايا وكذلك الطعن في انتخابات 2020 .

بل انه لم يتردد في الطعن في نزاهه المدعين العامين والقضاه والمحلفين الذي يتولون التحقيق في القضايا المتعلقه به  والتحريض ضدهم معرضا حياتهم للخطر .ويلاحظ هنا انه رغم ذلك لم يتم احتجاز ترمب لايقاف ذلك كما ان شعبيته  في أوساط الجمهورين والتيار اليميني المحافظ في المجتمع الأميركي يزداد ويتسع بحيث يخشى من فوزه بالرئاسه ان لم يحكم قبل الانتخابات الرئاسيه. منذ نهايه ولايه ترمب ,فقد تم التحقيق مع العديد من مساعديه  وكذلك محاميه جولياني بتهم عديده منها الفساد واساءه استخدام السلطه واعاقه العداله وحكم على بعضهم بالسجن والان جاء دور الرأس المدبر.

محاوله عزل بايدن

من ناحيته فقد تحرك الحزب الجمهوري الذي يسوده اليمين ويقوده غلاه اليمينين للرد على محاكمات ترمب ,بتحريك إجراءات ادانه وعزل الرئيس بايدن في مجلس النواب برئاسه الجمهوري كيفن مكارثي والذي يدين لانصار ترمب بفوزه مستندا الى الاغلبيه النسبيه الجمهوريه.وقد استغل هؤلاء ثغره تتمثل في ابنه هنتر والذي حصل على امتيازات تجاريه في أوكرانيا(استشاري شركه بوريسما للطاقه) والصين وامريكا ذاتها  عندما كان بايدن نائبا للرئيس أوباما( 2009-2017) ولعبت الاداره الاميركيه دورا حاسما في قلب سلطه الحكم في كييف لصالح الغرب بقيادتها وعلى حساب روسيا وحلفائها الاوكرانيين , وكذلك بعد ان اصبح بايدن رئيسا  في 2021.

ان هنتر متهم في عده قضايا ومنها التهرب الضريبي وحيازه سلاح فيما يخضع لعلاج الإدمان وغيرها وهو في طريقه للمحاكمه . استند الجمهوريون الى مايعتبرونه وجود علاقه ومنفعه شخصيه لبايدن وعائلته من اعمال ابنه هنتر التجاريه في أوكرانيا وغيرها وبالمقبل استخدام نفوذه حينما كان نائبا للرئيس وبعد ان اصبح رئيسا لتامين امتيازات لابنه.لقدسبق للجنه الدائمه للجمهوريين في المجلس  برئاسه جيمس كومر ان اجرت تحقيقا   قبل فوز بايدن بالرئاسه حول هذه القضايا وصدر تقرير عنها في  17-11-2022 بعد ان اصبح بايدن  رئيسا يؤكد هذه الاتهامات لكن المجلس ذا الاغلبيه الديمقراطيه برئاسه نانسي بيلوسي  لم يقر تقرير اللجنه .

وفي11-1-2023 اضحى عضو  مجلس النواب جيمس كومر (جمهوري ) رأس لجنه الرقابه للتحقيق في الادعاءات ضد الرئيس النتخب بايدن وبحلول سبتمبر لم تثبت اللجنه هذه الاتهامات. لكن مكارثي اعلن في 16 سبتمبر2023عن ان الكتله الجمهوريه في مجلس النواب قد توصلت الى جمع ادله ووجود شهود يؤكدون الاستفاده المتبادله مابين بايدن وابنه هنتر مما يعتبر خيانه لواجباته تجاه الولايات المتحده حكومه وشعبا وبلدا. وفي 26 سبتمبر  وجه مكارثي أوامره للجان المتخصصه في المجلس وهي لجنه الرقابه برئاسه جيمس كومر واللجنه القضائيه برئاسه جيم جوردان  ومؤسسه سميث لمباشره  التحقيقات لعزل بايدن.وقد عقد مكارثي مؤتمرا صحفيا اكد فيه ان الرئيس بايدن كذب على الامه عندما قال  انه لايوجد تداخل مصالح بينه وبين ابنه هنتر .كما اكد انه يوجد كثير من الادله والشهود بان بايدن استغل وضعه الرسمي لتحقيق مصالح لابنه هنتر وعائلته . ودعى مكارثي الرئيس بايدن ومساعديه للتعاون مع المجلس ولجان التحقيق التي شكلها للتحقيق في هذه الاتهامات .وبالمقابل فان البيت الأبيض نفى بشده الاتهامات الموجهه الى الرئيس بايدن وانها لاتستند الى وقائع جديه.

يتعين على الجمهوريين بعد مناقشه المجلس العامه لتقارير اللجان الثلاث ، تامين 218 صوت في مجلس النواب لاقرارتقارير لجان التحقيق والاتهامات الموجهه الى بايدن  وتنتهي بالتصويت على ادانته او تبرئته ,هذا وقد حذر مكارثي من انه سيستدعي بايدن ومساعديه للاستجواب في مجلس النواب وتسليم كل مايطلب منهم من وثائق ماليه وتسجيلات هاتفيه وغيرها وحذر من عدم التعاون مع المجلس ولجان التحقيق.

وبموجب الدستور الأميركي فانه بعد موافقه مجلس النواب باغلبيه النصف + 1 على الاتهامات فانه  يحال الى مجلس الشيوخ حيث يحتاج إقرار قرار مجلس النواب الى ثلثي أعضاء المجلس في حين ان الجمهوريين هم اقليه نسبيه في مجلس الشيوخ وترأسه نائب الرئيس كمالا هاريس  مما يرجح كما في حالات سابقه مثل حاله الرئيس كلنتون ان لايتم عزل الرئيس جو بايدن.

ومع الاهميه القصوى لهاتين الحالتين لفساد النخبه الحاكمه في أمريكا فان هناك حالات فساد أخرى للنخبه الحاكمه يجري التسترعليها واحتوائها.  وتمثل هذه الظاهره جانب مهم لتراجع نظام الحكم في الولايات المتحده  الذي اتصف بالبرجماتيه والفاعليه والمجتمع الأميركي  الذي اتصف بانه المجتمع الحيوي المتجدد والذي يجتذب المهاجرين الساعين لتحقيق احلامهم حيث الاندماج السريع في العالم الجديد.امريكا تواجه اليوم تحديات هائله في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من استقطاب سياسي وانقسام مجتمعي وصعود اليمين في الحياه السياسيه والمجتمعيه واتساع الفوارق الطبقيه . لكن تصحيح المسار رهن بالاقرار بهذا الوضع والعمل على تصحيحه.