DELMON POST LOGO

ما وراء الجدار العازل .. الأسرار السياسية والنفسية للصهيونية 1-2

إعداد: عبدالله جناحي

مُذُ فجر أو ظَهْر التاريخ البشري، كانت القلاع المحصنة، والخنادق، والجدران الصخرية، وسائل للتحصين والحماية من الأعداء أو الوحوش المفترسة. وكانت للجدران أهمية عسكرية واستراتيجية للاستعمار الأجنبي لمواجهة حركات التحرر التي مارست حرب العصابات والمدن والكفاح المسلح من أجل تحرير أوطانها، وكمثال؛ الأسوار التي بناها الاستعمار الفرنسي في الجزائر على الحدود المغربية والتونسية لمنع ثوار جبهة التحرير الجزائرية من تهريب الأسلحة والمساعدات من هاتين الدولتين.

وفي عصرنا الحديث، شيدت الكثير من هذه الجدران/الأسوار، فقد شيد لحد الآن حوالي 65 جداراً حدودياً تركزت على المناطق الحدودية بين البلدان، في وقت لم يكن إلا 16جداراً عندما سقط جدار برلين عام 1989، وتم تحطيمه بعد 21 عاماً وثلاثة أشهر. إن أهم جدار في عصرنا الحالي هو جدار الفصل العنصري، حيث بدأ الكيان الصهيوني في بنائه عام 2002. وهو جدار إسمنتي على حدود قطاع غزة، بهدف توفير الحماية للمستوطنات القريبة من الشريط الحدودي، ومواجهة خطر الأنفاق التي تحفرها المقاومة الفلسطينية، ويصل طول الجدار الإسمنتي إلى عشرات الكيلومترات بالمنطقة الحدودية بين قطاع غزة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

جدار المجر: سياج حدودي بدأت الحكومة المجرية بتشييده عام 2016 على طول 177 كيلومتراً بحدودها مع صربيا، وذلك بهدف منع اللاجئين والمهاجرين من دخول المجر.

جدار الصحراء الغربية: جدار رملي يبلغ طوله 2700 كيلومتر يفصل منذ الثمانينيات الأراضي المغربية عن المناطق التي تسيطر عليها جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) المطالبة بالانفصال.

المغرب/إسبانيا: سبتة ومليلية، المدينتان المغربيتان اللتان تحتلهما إسبانيا، محاطتان بالجدار السلكي بنته إسبانيا ما بين 1995 و2000 بدعم مالي ولوجستي كبير من الاتحاد الأوروبي.

السعودية/العراق: من أجل مواجهة التهديدات الأمنية القادمة من العراق، أكملت السعودية جداراً رملياً قائماً بسياج طوله 900 كيلومتر.

اليونان/تركيا: في 2012 تم تشييد جدار "إيفروس" على الحدود بين البلدين، بهدف التحكم على الهجرة غير القانونية للاتحاد الأوروبي عن طريق الحدود التركية.

أيرلندا الشمالية: ثمة في بلفاست 99 "خط سلام" يفصل بين المجموعتين الكاثوليكية والبروتستانتية، ويعود أقدمها إلى 1969. ورغم توقيع اتفاقات السلام فقد تزايد عددها وحجمها.

الهند/بنغلاديش: منذ 1993 تحيط الهند الحدود مع بنغلاديش بشريط شائك للحد من الهجرة، حيث أدى ذلك إلى نزاعات على الترسيم الدقيق للحدود.

قبرص: عرفت قبرص في ديسمبر 1963 ذروة الصراع الدامي بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين. وبوجد جدار يفصل العاصمة نيقوسيا إلى شطرين، بين اليونانيين والأتراك.

تونس/ليبيا: جدار الفصل الأمني بين تونس وليبيا شيدته الأولى على طول حدودها مع الثانية، ويتكون من مجموعة خنادق وحواجز ترابية، يبلغ طوله 220 كيلومتراً.

جدار لبنان: بدأت السلطات اللبنانية تشييده عام 2016 حول مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، وارتفاعه ما بين خمسة إلى ستة أمتار، والجدار يحيط المخيم الذي يقطنه 80 ألف نسمة.  (المصدر: تقرير منشور في موقع الجزيرة)

العلاقة بين الجدارين الصهيونيين، العازل المعاصر في غزة، ومفهوم الجدار الحديدي التاريخي:

نفذت مذابح كبيرة لليهود في روسيا في الفترة 1902-1905. مما أدت إلى تشكيل منظمات يهودية في روسيا لحماية اليهود، والدفاع عن النفس. ولم ترتبط التحركات الأولى باتجاه الدفاع عن النفس بالصهيونية في كل الحالات في الواقع. فقد نظمت المظاهرة الأولى في سنة 1903 جماعة البند Bund الاشتراكية، وهي جماعة من اليهود الاشتراكيين المناهضين بشدة لفكرة القومية اليهودية، ولكن يهودياً روسياً هو فلادمير (زئيف) جابتنسكي، (مؤسس الصهيونية التصحيحية) الذي ولد في سنة 1880 وشاهد المذابح، جعل الصلة بين الصهيونية والدفاع عن النفس صلة لا تنفصم. وأشهر ما يعرف بـه جابتنسكي هو مفهوم (الجدار الحديدي) حيث كتب "بأن على اليهود أن يجعلوا أنفسهم منيعين ضد أي مقاومة عربية لاستعمارهم فلسطين". ولكن جابتنسكي كان يؤمن بأن الصراع المسلح هو الطريق الوحيد لبقاء اليهود، وذلك قبل أن تتسبب الاضطرابات الفلسطينية التي جرت في العشرينيات من القرن العشرين ضد المستوطنين اليهود في بلورة فكرة (الجدار الحديدي) في رأسه. وهنا بدأت العلاقة العضوية بين العنف والصهيونية. وعلاقة مفهوم (الجدار الحديدي) القديم بالجدار العازل الحديث.

الباحثة جاكلين روز اليهودية اليسارية البريطانية في 2002 سألت بنيامين نتانياهو عن جدار جابتنسكي الحديدي، أجاب "لم يكن الجدار الحديدي هو السور فقط، بل كان هو الردع، أن يتكسروا smash عندما يجابهون دفاعنا أو هجومنا"، وضرب يده بقبضته عند النطق بكلمة smash. وقــــد قال أفي شلايم، الذي عنون دراسته عن "إسرائيل" بـ(الجدار الحديدي)  "إن الجدار الحديدي الذي أشار إليه جابتنسكي  كان استعارة لغوية تحولت في العقلية الفجة لأرييل شارون ورفاقه إلى واقع مادي بشع". لدرجة (أن وقعت "إسرائيل" في غرام مفهوم "الجدار"، وأن ترفض المضي إلى المرحلة التالية المتمثلة في المفاوضات مع الفلسطينيين). (المصدر: كتاب "القضية الصهيونية"، جاكلين روز، وبقية هذا المقال مقتبسات من هذا الكتاب القيم، مع بعض التعليقات).

إن جابتنسكي، الصهيوني الاشتراكي الروسي "المتحول"، كان صادقاً في أقواله في كثير من الأوقات؛ لأن رؤياه كانت ثابتة. والأسطر الآتية من كلمة له وجهها لحركة الاشتراكيين الشباب في وارسو عام 1938 (هؤلاء الشباب آمنوا صادقين بأن أملهم الأعلى المتمثل بالسلام قابل للتحقيق. آمنوا بالأخوة مع العرب. حداهم الأمل بألا يضطروا إلى حمل البندقية. آمنوا بأن يقيموا "نقابة جماعية" مثلما آمنوا بمثال وحدة الطبقة العاملة من دون فروق عرقية. آمنوا بأن عمال الشعوب كلها سيمدون لهم يد العون من أجل تحقيق الأمل بالسلام والأخوة، ولذلك كرهوا بنادقهم ونفروا من كل الأسلحة، وأقسموا أنهم لن يلمسوا سلاحاً في حياتهم. لكن هذه الرؤية ضرب من "الوهم" الذي يستحق الازدراء. ولذا عذراً أيها الأعداء الأعزاء العرب، ماذا أيها الشباب: ماذا حل بمبادئكم وآمالكم ومثلكم؟ ها أنتم تسيرون والبنادق في أيديكم، هل تحولتُم إلى جنود، هل تفتخرون بقتل عدد يبلغ كذا من العرب). هذا تحليل صارم لا ترف له عين. هذه هي التربية والتعبئة للشباب.

إسمع الآن هذه الكلمات من المعرض الذي افتتح في سنة 2004 في مدينة الخليل. كتب جندي أدى خدمته العسكرية في المدينة ما يلي (مر بموقعي فتى يهودي وقال: إسمع يا جندي، لا تغضب، ولا تحاول أن توقفني. أنا ذاهب لكي أقتل بعض العرب). وكان جابتنسكي قد قال في سنة ١٩٣٣ "إن القتل هو أهم ضرورات البعث الوطني". كان جابتنسكي، صاحب فكرة (الجدار الحديدي) على علم بالعنف الذي سيكون عليه المصير القادم للدولة اليهودية.

غير أن الذي حول مبدأ الدفاع إلى هوية جمعية هو رئيس الوزراء نتانياهو الذي كان من أشد الصهاينة ولاءً لجابتنسكي. فقد كتب في سنة 1993 في كتابه (مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم) عندما كان وزيراً للمالية، ما يلي: (اكتشفت السيادة اليهودية التي ولدت من جديد فن الحياة العسكرية بعد سنوات قليلة من إنشاء دولة "إسرائيل"). وهكذا فإن هذا الكيان- في سياق هذا العقل الحمائي/الدفاعي- قد حوَّل كل مواطنيه إلى جنود. فنتانياهو يرى (أن على الهوية اليهودية إذا ما أرادت البقاء، أن تعود إلى ضم العنف كجزء من قيمه الذي كانت تنكره على نفسها في العهود القديمة). فهو قد كتب "فقد تطلبت إعادة زرع الوعي بالحاجة الأساسية للقوة العسكرية قدرًا كبيرًا من الصراع المرير ضد الرأي الراسخ في أذهان اليهود والقائل إن اليهود لا شأن لهم بالجيوش". لاحظوا يتكلم عن اليهود في كل مكان، وليس "الإسرائيليين"!.

أما في نظر بعض مؤسسي الحركة الصهيونية، كانت (الروح العسكرية الناشئة في الدولة الجديدة منذ بداية تأسيسها شركاً أوجده الظلم الذي ارتكبته الدولة "الإسرائيلية" بحق أهل البلد من الفلسطينيين). هؤلاء الصهاينة المؤسسين، فترة التأسيس 1948 كانوا ينتقدون عسكرة "إسرائيل". ولكن هرتسل وجابتنسكي، كمؤسسان أيضاً رئيسيان للحركة الصهيونية، وقفا ضد تلك الأطروحات التي تقول إن "إنشاء القوة العسكرية اليهودية سيرمي باليهود في أحضان الروح العسكرية والنزعة القومية المتطرفة". لقد احتل الكيان مكانه بين الأمم بسبب هذه القوة. أما (اليوم- تقصد جاكلين سنة 2002- فإن "إسرائيل" أشد تشبعاً بالنزعات القتالية والقومية والعرقية مما كانت عليه في أي وقت مضى. وقد تمكن شارون بدهائه من أن يجعل الوضع يبدو كما لو أنه يعتمد على جعل الرد الوحيد على السؤال المعقد: كيف تجعل "إسرائيل" نفسها آمنة؟ هو بالقوة. فهذا هو الحقل الذي حصل شارون على خبرته فيه. القوة، والمزيد من القوة، ولا شيء غير القوة).

لقد نهضت الحركة الصهيونية على ظهر العداء الأوروبي للسامية من ناحية، ومن المذابح التي ارتكبتها أوروبا الشرقية من الناحية الأخرى. ولا بد من النظر إلى تحرك اليهود نحو تقرير المصير على أنه استجابة لحالة صعود النزعة القومية في القرن التاسع عشر في كل أوروبا- وبالطبع لاحقاً أصبح تأسيس كيان يهودي في فلسطين جزء من مخطط استعماري إمبريالي.