DELMON POST LOGO

العلاقة بين الأمراض والسياسات الاقتصادية

بقلم : عبدالله جناحي
في معظم دول العالم، هناك من يصنع السياسات العامة الاقتصادية  والسياسية وغيرهما، ويطبقونها على مجتمعاتهم، عبر الخطط والرؤى والبرامج. وحتى عندما يكتشفون فشل بعضها، وخطأ البعض الآخر، بل وخطيئة بعض هذه السياسات التي دمرت الاقتصاد والاجتماع والنفوس والأعصاب، ومع ذلك لا يتم التراجع عنها. ماذا ستكون نتائجها على المدى البعيد؟ ماذا ستكون إفرازاتها على كافة الخطط والبرامج التي تم إقرارها؟. بمعنى أوضح: كيف يمكن إنجاح إستراتيجيات ورؤى مستقبلية لتنمية مستدامة، معتمدين على سواعد وعقول شعب "حزين" و"محبط" و"قلق" و"غاضب" و"يتألم"؟.
ما علاقة الحزن والسعادة بنجاح أو فشل التنمية المستدامة، وخطط الإنقاذ؟
يشير كتاب (سجن العقل، مخك وعلم الأعصاب في الحياة اليومية) بأن (هرمون "السعادة" الذي يفرزه الدماغ يرفع من معدل النشاط في قشرة المخ، أما "الحزن" فيخمده، بمعنى أن من الآثار الجانبية للطريقة التي يخلق بها المخ الشعور بالحزن هو أنه يقلل من عدد الأفكار التي ينتجها العقل. إن استمرار "الحزن" لا يؤدي فقط إلى حالة من التعب النفسي والكآبة، بل من الممكن أن يتراجع الذكاء ويزداد الغباء. الحزن المستمر لا يولد الأفكار، وبالتالي يصبح الغباء جزءًا من المرض). هل توضّحت الصورة؟ إن كافة السياسات -وبالأخص الاقتصادية والسياسية- التي رفضتها شريحة كبيرة من الناس المتضررين منها -الفقراء منهم والتجار، المتقاعدون والعاطلون، المغضوب عليهم ..إلخ- هؤلاء أجمعون مصابون بالحزن عن الأوضاع التي تحيط بهم، وتفرض عليهم. وهذا الحزن تدريجياً يخمد حالة الفرح والسعادة في داخل كل واحد منهم، ثم ثانياً، هذا الحزن يتحول إلى مرض، بل وباء يصيب الجميع تقريباً، وتكون من آثاره الجانبية بأن هذا العقل "الجمعي" الذي يحتاجه المجتمع والدولة لإنجاح الخطط والسياسات، يصبح غير قادر أن ينتج أفكاراً مبدعة، ومبادرات مخلصة وصادقة، وفي مرحلة ثالثة يتحول إلى تعب نفسي وكآبة وأمراض نفسية مدمرة للاقتصاد والمجتمع، إلى أن يصل إلى مرحلة "الغباء الجمعي"، ومؤشرات هذا الغباء كثيرة، وعلاماته واضحة للعيان، سواء ما نجدها في بعض المجتمعات من صعود الأحزاب الشعبوية والنازية والعنف والقتل والمخدرات، أو في مجتمعات أخرى النفاق الاجتماعي، وسطحية المقترحات النيابية، وتصريحات ترويجية لتحويل القبح من السياسات وتقديمها للرأي العام باعتبارها شيئَا من الجمال ومن الأحلام الوردية والوهم والخداع كالسراب.
في هكذا حالة نفسية "جماعية" هل من الممكن تحقيق الأهداف الإنسانية لتنمية مستدامة غايتها العظمى "سعادة" الإنسان و"رفاهيته"؟ هل في هكذا أجواء ممكن حتى التفكير في إضافة وزارة جديدة باسم وزارة "السعادة"، أو أي تسمية أخرى تعني الاستدامة والإبداع؟.
معرفة النفوس بداية الطريق:
في بعض هذه الدول، انتبه أصحاب القرار لهذه العلاقة الجدلية بين السياسات والخطط من جهة، والحالات النفسية للناس، وإفرازات أدمغتهم وأمخاخهم لهرمونات "السعادة" التي بلا شك ستخلق الإبداعات والمبادرات والإنتاجية والأفكار الخلّاقة، والعكس في حالة "الحزن" التي تخلق الغباء الجمعي وتتعطل الأدمغة والأمخاخ من التفكير السوي. هذا البرزخ الشفاف بين النجاح والفشل. ولذلك أنشئوا وزارات ومعاهد ومراكز لقياس نجاح هذه السياسات، وقياس نسب السعادة والفرح من تطبيق هذه السياسات، أو العكس، زيادة نسب الغضب والحزن والقلق. ويشير الكتاب المذكور أعلاه بأن (هذه المعرفة حول علاقة الحزن بالغباء تعني بأننا سندرك أن "البلادة الذهنية" عند الشعور بالحزن لا تسبب الانحدار إلى دورة الشك في الذات. فبدلاً من التساؤل عما إذا كنا قد فقدنا ما كان لدينا من ذكاء، كان علينا أن ننتظر حتى يمر الحزن، ليرجع النشاط في قشرة المخ وتدفق الأفكار من جديد. وعندها لن تكون فترات حزننا طويلة كما كانت عندما لم نصل إلى هذه المعرفة فيما يدور من دور وتأثير الكيماويات في أمخاخنا). وعندما تعرف هذه الحكومات ذلك، فإنها من المفترض أن تغير تلك السياسات لتقليل حالات الحزن والغضب لدى الناس، حتى لا تتحول إلى ظاهرة عامة اجتماعية وسياسية تعزز التطرف والشعبوية والعنف.وهذا يعني بأن السياسات العادلة للناس هي التي ستُرَجع الأدمغة والأمخاخ إلى وضعها الطبيعي المطلوب، حيث تحل السعادة محل الحزن، والإبداع محل الغباء.
الألم النفسي:
يشير كتاب آخر بعنوان "الدماغ والألم" لبروفسور أمريكي متخصص في علم الأعصاب، بأن هناك أمراضًا وآلامًا جسدية ستظهر على الإنسان إذا استمرت عنده الآلام النفسية الناتجة عن حالة الإجهاد النفسي والقلق والخوف من المستقبل -يسميه الكتاب، الخوف من اللايقين- يقول هذا البروفسور بأن((المكون العاطفي في الدماغ يعدّل إدراك الألم الذي ينشأ عن الآفة. لكنها أيضاً لها غرض آخر هو إثارة الألم الذي يحدث في غياب الإصابة أو الالتهاب. وهناك العديد من الأدلة عن وجود هذه العلاقة بين الألم الفيزيولوجي المرضي والألم النفسي)). وقد اعترفت أخيراً "الرابطة الدولية لدراسة الألم" بأن الناس يعانون بالفعل من الألم لأسباب "نفسية" بحتة. وتقر الرابطة بوجود مراكز دماغية مسئولة عن الجانب العاطفي للألم، وأن تنشيط هذه المراكز يمكن أن يثير حس الألم بشكل مستقل عن المكون الحسي الجسدي. كما تعترف الرابطة بأن الألم يمكن أن يكون مزمناً وأنه يمكن أن ينتج بسبب الحزن والإجهاد وحتى المشاكل النفسية والاجتماعية. بالإضافة إلى كونه مصدراً للألم، ((يمكن أن يؤدي الألم النفسي إلى تفاقم الألم الناشئ عن مصدر فيزيولوجي مرضي، وخاصة آلام الظهر. وبالنظر إلى أن الألم النفسي ليس له سبب جسدي، فإن ذلك سيؤدي إلى الحزن الشديد الذي بدوره يؤدي إلى  إطلاق هرمونات الإجهاد التي يمكن أن تؤدي إلى آلام وأوجاع في الجسم)).
المحن الاجتماعية:
هناك مجموعة متنوعة من الحالات النفسية الأخرى التي تؤدي إلى الحزن الشديد والقلق الكبير، ويسميها البروفسور بأنها "محنٌ اجتماعية". (( إذ يمكن أن تنشأ المحنة عن الرفض من قبل الأحبة أو النبذ من مجموعة اجتماعية، أو حتى من العجز عن إيجاد عمل. الأمر الأكثر أهمية هو أن هذا الرفض يؤدي في بعض الحالات إلى اليأس العميق إلى درجة أنه يؤدي إلى الألم مثل الفجيعة. وفي محاولة للتأقلم يتحول بعض الذين يعانون من مثل هذا الألم إلى ممارسة الأذية الذاتية غير الانتحارية "NSSI"، وهي كناية عن تشويه الذات، وتشويه الذات يحدث بعدة طرق كالجرح أو الحرق. وأن الدافع وراء ذلك هو للحصول على راحة مؤقتة من المشاعر السلبية الشديدة الناجمة عن الشعور بالفشل أو الرفض أو كراهية الذات. بمعنى أن الألم الجسدي هنا هو إلهاء متعمد عن الألم العاطفي)). يسمى علماء النفس هذه الظاهرة بـ"تخفيف تعويض الألم".
الألم النفسي الجسدي:
نُعيد التذكير، بأن هدف هذا المقال هو ضرورة انتباه صانعي القرارات الاقتصادية والسياسية التي قد تؤدي إلى القلق والغضب والحزن، والذي بدورها تولّد آلامًا نفسية شديدة التأثير لدرجة بأن تتحول إلى أمراض وآفات جسدية شديدة الألم والإرهاق وتكاليف العلاج من جهة، وضعف الإنتاجية والتفاني والإبداع من جهة أخرى. وهذا ما يؤكده هذا البروفسور الأمريكي في كتابه، حيث يقول ((الاعتقاد لدى بعض الأطباء الذين يعالجون الألم بأن الدماغ -النفس- يمكن أن يسبب الألم بشكل مباشر في الجسم -الجسد- وأنه يمكن أن يحدث في غياب أي مرض خارجي. وبالتالي يمكن للقلق أو الغضب الشديد أو الإجهاد والإحباط أن يسبب الألم بعدة طرق، إما عن طريق زيادة تحرير الحمض في المعدة، ما قد يسبب القرحات، وإما عن طريق انقباض الأوعية الدموية، وبالتالي حرمان الأعصاب من الدم -نقص تدفق الدم-، وإما عن طريق تحفيز الجهاز المناعي الذي يثير حالة التهابية.  والأهم من ذلك هو أن هذه الاضطرابات النفسية الجسدية المؤلمة ستظهر كاضطراب جسدي أو تلف في الأنسجة في الجسم. ويمكن اعتبار الآلام التي يعاني منها أولئك الذين يشعرون بالحزن نوعاً من الألم النفسي الجسدي)).
كارثية الألم:
تفاقم الألم بسبب الخوف من المستقبل  وعدم اليقين يؤديان إلى زيادة الألم وهو بدوره يعزز المعاناة الدائمة. وثمة عامل مهم آخر في تجربة الألم هو حالتنا العاطفية، فمع وجود عواطف سلبية، لاحظ الأطباء ((أن القلق الناجم عن الإجهاد يزداد كثيراً أثناء الأزمات حيث لا يمتلك الأفراد عندئذ سوى القليل من التحكم في العواقب. يزداد نشاط الحواس ويصبح الاسترخاء صعباً)). من الواضح أن الشعور بالألم لفترات طويلة أمر مرهق جداً. وتوجد العديد من الأسباب للاعتقاد بأن المعاناة التي يعاني منها المرء بسبب الألم المستمر أو المزمن تتعزز بسبب الخوف من الألم والإجهاد الذي يفرضه على حياتهم. في المصطلح النفسي تسمى هذه الحالة بـ"كارثية الألم".