DELMON POST LOGO

هل "أنسنة" خطاب صندوق النقد الدولي صادقة؟ 1-2

بقلم :عبدالله جناحي-البحرين
نشرت جريدة (الاقتصادية) في ١٥ إبريل ٢٠٢٣، مقالاً لجيليان تيت من نيويورك بعنوان (صندوق النقد الدولي يتخلّى عن معاملة الاقتصادات كالآلات). حيث أشار هذا المقال بأنه ظهرت عبارة "أزمة تكلفة المعيشة" في سياق مفاجئ على المنصة في اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد الدولي. وقد استخدمت كريستالينا جورجييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، العبارة المذكورة عندما أشارت إلى أن "العلوم الاجتماعية يمكن أن تساعدنا على فهم التحديات الاقتصادية". هذه العبارة تستخدم كثيراً لدى المؤمنين بالعدالة الاجتماعية والمساواة، و"أنسنة" الاقتصاد، غير أنها أربكت عقول كثرة من الاقتصاديين النيوليبراليين، لدرجة أن بعضهم علّق على تصريح مديرة الصندوق بأن أحدّا ( لم يتحدث في صندوق النقد الدولي عن أزمة تكلفة المعيشة منذ بضعة أعوام، بل كنا نستخدم فقط مصطلح "التضخم"، كمصطلح محايد سياسياً!).
ورغم إيماني الواضح بأن صندوق النقد الدولي لا يمكن أن يغير سياساته التدميرية بمجرد تغيير خطابه وتحويله إلى خطاب إنساني اجتماعي، ففي تسعينات القرن الماضي أعلن هذا الصندوق بأنه قد أضاف معيار "الحكم الرشيد" أو "الحكم الصالح" كشرط لأي دولة تطلب مساعدتها من قبل الصندوق. وحينها رحب الكثيرون من الاقتصاديين والاجتماعيين والسياسيين بهذه النقلة النوعية في معايير وشروط الصندوق، وأن وجود معيار الحكم الرشيد كفيل بوقف "الهدر" في دول تكثر فيها عمليات الفساد الاقتصادي والسياسي والحقوقي، ولا يمكن تنميتها بدعومات وتمويلات عالمية، باعتبارها دولًا فاشلة وقمعية، وحكومات غير صالحة وغير رشيدة. لكن بعد بعض من الوقت اكتشف الجميع تقريباً بأن هذا المعيار "الجذاب" لم يطبّق نهائياً على جميع الدول التي طلبت مساعدة الصندوق، والتي تم تدمير اقتصادياتها من جرّاء سياسات وبرامج هذا الصندوق. والأمر، في اعتقادي، سيكون نفس الحال مع هذا التغيير "الخطابي" في لغة مديرة الصندوق ومحاولاتها "أنسنة الخطاب النيوليبرالي"، ومع ذلك فمن المفيد أن نتابع ما ورد في ذلك المقال المنشور في جريدة (الاقتصادية)، الذي اعتبر أن هذا التحول اللغوي يعني الكثير. فبالعودة إلى أواخر القرن الـ20، أي عصر النيوليبرالية، كان صندوق النقد الدولي يتصرف كما لو كان الاقتصاد نشاطاً تكنوقراطياً وغير سياسي. مع ذلك، أسس الصندوق في 1944 "لإدارة النظام العالمي لأسعار الصرف والمدفوعات الدولية"، كما يشير مجلس العلاقات الخارجية. ورغم تطور الصندوق في سبعينيات القرن الماضي للتعامل مع أزمات ميزان المدفوعات والديون، ومعظمها في أوساط الدول ذات الدخل المتوسط، إلا أنه كان مكرساً بشكل سيئ لتوصيات سياسات السوق الحرة. ولأعوام عديدة، كان يعامل الاقتصادات كالآلات، وهو أمر يجب تعديله وضبطه باستخدام أدوات معيارية كالإنفاق الحكومي. ويشير المقال بأن في الواقع، كانت هناك مزحة منذ أمد طويل في أوساط موظفي صندوق النقد الدولي مفادها أن الأحرف الأولى من اسم الصندوق ينبغي أن تكون اختصاراً لعبارة "مالي في الغالب"، بالنظر إلى أن نصائحه ركزت على هذا الجانب فقط. لكن منذ أن تولت كريستين لاجارد، وزيرة المالية الفرنسية السابقة، رئاسة الصندوق في 2011، بدأت لغة الصندوق وتركيز سياساته يتغيران. وتواصل جورجييفا التركيز على القضايا التي كانت نادراً ما تظهر، مثل تغيّر المناخ، أو حقوق المرأة، أو الرعاية الصحية.
هذا التحول يروّع بعض المراقبين الذين يخشون أن يؤدي توسيع مهمة صندوق النقد الدولي خارج الغرض الأساسي منه إلى تقويض أعماله الجوهرية المتمثلة في تقديم القروض. لكن هذا يسعد آخرين مثل جوزيف ستيجلتز، الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، الذي انتقد سياسات الصندوق النيوليبرالية السابقة.
لربما تكون أفضل طريقة لتأطير هذا التحول هي استعارة مفهوم صاغه المؤرخ الاقتصادي كارل بولاني حول "التضمين". فاجتماعات صندوق النقد الدولي تقر الآن بأن الأسواق لا تتعلق فقط بالأرقام والنماذج المجردة، بل هي "جزء لا يتجزأ" من السياسة والمجتمع. وبينما اعترف البنك الدولي بهذا الأمر منذ فترة طويلة فيما يتعلق بالدول الفقيرة، فإن تضمين علم الاقتصاد هذا المفهوم يجري على قدم وساق في الاقتصادات المتقدمة أيضاً. فبعد صدمات العقدين الماضيين التي دفعت الحكومات إلى التدخل بشكل مكثف في التمويل وفي أنظمة الرعاية الصحية وقطاع الطاقة.  ولذلك فالحدود بين الدولة والقطاع الخاص تتحول ببطء مع تسييس الاقتصاد. ولذلك أيضاً هناك من يراهن على مصداقية وجدية هذا التحول "اللغوي" لخطاب الصندوق وذلك بسبب تصاعد التوترات الجيوسياسية "التي تعزز مزاج الاعتماد على الذات على المستوى الوطني" وأعباء الديون الحكومية المتضخمة باستمرار "ما يعني أن قضية إعادة التوزيع أصبحت الآن محورية في أي حديث مستقبلي حول السياسات الاقتصادية المستقبلية".
إن إحلال العبارة الانفعالية "أزمة تكلفة المعيشة" محل مصطلح "التضخم" لن يحل جوهر برامج وشروط صندوق النقد الدولي، تماماً مثلما حدث مع مصطلح "الحكم الصالح"!، ولكن علينا أن نراقب بحذر كبير هذا الترويج للتحولات اللغوية لمؤسسات مالية لم تعلن بعد فشل برامجها وسياساتها النيوليبرالية. ومع ذلك، فهناك خطوتان تم الإعلان عنهما في الولايات المتحدة وأوروبا تُعززان بعض الشيء خطاب مديرة صندوق النقد الدولي. فإلى الحلقة التالية.