DELMON POST LOGO

قصة ماوكلي فتى الأدغال .. و جوزيب بوريل مفوض الأمن والخارجية بالاتحاد الأوروبي

بقلم : محمد الانصاري

صرح مفوض الأمن والخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يوم الخميس الموافق ١٣ اكتوبر ٢٠٢٢ إن "أوروبا عبارة عن حديقة " ثم اضاف " لقد بنينا هذه الحديقة، كأفضل مزيج من الحرية السياسية والرخاء الاقتصادي والترابط الاجتماعي استطاعت البشرية أن تبنيه ، لكن بقية العالم ليس حديقة تماما، بقية العالم.. أغلب بقية العالم هو أدغال".
استمر بوريل في وصفة العنصري لأوروبا وباقي العالم ، والتي للأسف كشفت عن قناعاته وتصوره حول مليارات البشر خارج أوروبا والذي قال عنهم "الأدغال يمكن أن تغزو الحديقة، وعلى البستانيين أن يتولوا أمرها، لكنهم لن يحموا الحديقة ببناء الأسوار، حديقة صغيرة جميلة محاطة بأسوار عالية لمنع الأدغال لن تكون حلا، لأن الأدغال لديها قدرة هائلة على النمو، والأسوار مهما كانت عالية لن تتمكن من حماية الحديقة، على البستانيين أن يذهبوا للأدغال، على الأوروبيين أن يكونوا أكثر انخراطا مع بقية العالم، وإلا فإن بقية العالم سوف تغزو أوروبا".
نسى أو تناسى السيد جوزيب بوريل ان مدرسة الغزو و القتل و الاعتداء في العصور الحديثة تأسست وانطلقت من أوروبا، و قد يكون جاهلاً فالجهل متفشي في الحدائق بان الفرنسيين وهم من زهور الحدائق قد قتلوا أكثر من مليون جزائري في أدغال شمال أفريقيا ، وهؤلاء الجزائريين كانوا في بلدهم وجاءت فرنسا واحتلت الجزائر وسرقت مواردها وقتلت أبنائها ، وحتى لحظة كتابة هذا المقال لاتزال الجزائر تتفاوض مع فرنسا لتسليمها جماجم أبنائها التي قطعت في الجزائر و حملت لفرنسا لتعرض في الشوارع وأمام القيادات هناك.
ربما الزهايمر اثر في الأخ بوريل ايضاً فنسى ان الجنود الايطاليين قد قاموا باحتلال ليبيا و نهبوا خيراتها حيث تقول دائرة المعارف البريطانية إنه بعد احتلال الإيطالي لليبيا عام 1911 واجهوا مقاومة طويلة الأمد، وهي المقاومة التي حرمت الفاشيين من السيطرة التامة على البلاد حتى عام 1931، عندما أسروا وأعدموا قائد المقاومة اللامع عمر المختار ، لذا وجب ان نذكر السيد بوريل ان الفاشية أيضا ظهرت في حديقة أوروبا.
ربما نسي بوريل ان النازية التي قتلت ملايين البشر من كل حدب وصوب ولم تميز بين شيخ وطفل هي من منبت الحديقة الأوروبية ، فالنازية و الفاشية و أنواع التطرف ولدت و نشأت وترعرعت و أزدهرت في أوروبا ، لقد غذت العنصرية الفكر النازي ، فقد نظر النازيون وهم ليسوا فقط في المانيا ، بل النازية كما تعلمون أوسع بكثير ، إلى العالم على أنه مقسم إلى أجناس متنافسة أدنى وأعلى، وعلى هذه الأجناس ان تناضل من أجل البقاء والاستمرار و في مراحل لاحقة الهيمنة ، ومن تطرفهم كانوا يعتقدون أن اليهود ليسوا طائفة دينية ، بل "جنس" غير أوروبي خطير. هذه العنصرية النازية تسببت في جرائم إنسانية خطيرة في الحديقة المزدهرة لأوروبا.
السيد بوريل هل تعلم ان اَلْحَرْبُ الْعَالَمِيَّةُ الْأُولَى، و التي أشتهرت في وقتها بإسم " الْحَرِبِ الْعُظْمَى " ، هي حرب بدأت في اوروبا وتحديداً في ٢٨ / ٧ / ١٩١٤ و لم تتوقف الا في ١١ /١١ ١٩١٨ ، وقد شارك في هذه الحرب ما يزيد عن ٧٠ مليون جندي ، ٨٥٪؜ من هؤلاء أوروبيين ، وقد أسفرت هذه الحرب عن وفاة أكثر من ١٦ مليون إنسان بين جنود و مدنيين ، حدث فيها أبشع جرائم الإبادة الجماعية ، ونتيجة هذه الحرب فقد تفشى في أوروبا مرض الإنفلونزا الاسبانية عام ١٩١٨ ، وقد تجاوز عدد من فقدوا حياتهم بسبب هذا الإنفلونزا الاوروبية ٥٠ مليون إنسان.
ويمكن ان السيد بوريل لم يدرس في التاريخ ان الحرب العالمية الثانية ايضاً بدأت في أوروبا في ١ / ٩ / ١٩٣٩ و انتهت في ٢ / ٩ / ١٩٤٥، وان بسبب أوروبا العالم كله دخل هذه المعركة، حيث تسبب الأوروبيون في تقسيم العالم الى حلفين عسكريين متنازعين ، وقد شارك أكثر من 100 مليون شخص من أكثر من 30 بلدًا في هذه الحرب ، وقد وضعت الدول الرئيسية كافة قدراتها العسكرية والاقتصادية والصناعية والعلمية في خدمة المجهود الحربي ، وقد أسفرت هذه الحرب عن وقوع ما بين ٥٠ الى ٨٥ مليون قتيل  معظمهم من المدنيين.
السيد بوريل ، الصرب قتلوا البوسنيين و بريطانيا و اسبانيا وايطاليا وفرنسا و الدنمارك و البرتقال والمانيا وغيرها من زهور الحديقة الاوروبية استعمرت بلدان الأدغال الافريقية والاسيوية وقتلت اطفالهم و اغتصبت نسائهم ، ومارست الارهاب ورعته ، و بعد ان استعدت شيئاً يسيراً من ذاكرتك هل تظن ان اوروبا جنينة ورد وحضرتك وباقي الزملاء الفراشات او غيرت رأيك واقتنعت انك تسكن في  غابة مليانة بالوحوش الكاسرة.
سؤالي الأخير لسعادة السيد جوزيب بوريل مفوض الأمن والخارجية بالاتحاد الأوروبي الموقر، هل في ظنك - اذا كان في الظن خير - إن ماوكلي من الحديقة ام من الأدغال ؟ لانك قد لا تعلم انها قصة من قصص " كتاب الأدغال " للكاتب البريطاني  "روديارد كبلينغ " المولود سنة ١٨٦٥ م ، والمتوفي سنة ١٩٣٦ م.