DELMON POST LOGO

سقوط آخر المستعمرات في إفريقيا

بقلم : محمد الانصاري

تقوم فرنسا بإجلاء رعاياها من النيجر ، بعد أن أعلنت معارضتها الشديدة للانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم الموالي لها في ٢٦ يوليو ٢٠٢٣ ، هذا الانقلاب الذي تم على يد قوات الحرس الرئاسي بقيادة الجنرال المسلم عبدالرحمن تشياني ، حيث يعتبر هذا التغير في المنطقة ، ثالث انقلاب يحصل على الحكومات الموالية لفرنسا في الخمس سنوات الأخيرة ، فقد سبقت كل من مالي وبوركينا فاسو المجاورتين للنيجر  جارتهم ، و كانت نتيجة الانقلابيين السابقين المجيء بحكومات مستقلة ومعارضة تماماً لباريس .

تاريخياً أخرجت فرنسا من النيجر عام ١٩٦٠ ميلادية ، وتم اعلان استقلال المستعمرات الفرنسية في الساحل الأفريقي ، لكن بقت مصالح فرنسا الاستعمارية في المنطقة ، وقد اعتمدت فرنسا على الحكومات الموالية لها في دول الساحل لضمان مصالحها التجارية و الاقتصادية بل وحتى العسكرية ، وقد استعملتهم في محاربة المناوئين لها في إفريقيا من جميع الأطياف ، ولكي تخلط الحابل بالنابل قامت بإطلاق مصطلح الحرب على الارهاب على العمليات العسكرية المشتركة التي تنفذها القوات الفرنسية بالتعاون مع القوات المحلية التابعة للحكومات الموالية لها ، والتي كان آخرها حكومة محمد بازوم الذي أطيح بها قبل أيام ، كما استعملت فرنسا القوات النيجرية ايضاً في منع هجرة الفقراء و الفارين من الحروب الى الجانب الأخر من الساحل اي الى أوروبا بذرائع مختلفة.

اقتصادياً أكرم الله النيجر التي يبلغ عدد سكانها ٢٠ مليون نسمة ،بثروات كبيرة و متنوعة من الكنوز الطبيعية التي ساهمت في تنويع مصادر دخلها ، منها الذهب والفحم واهمها اليورانيوم التي تمتلك هذه الدول الأفريقية الفقيرة حوالي 7٪ من حصة السوق العالمية منها ، كما وتحتفظ بسادس أكبر احتياطي لها في أراضيها ، و لذلك فإن انقلاب النيجر له أثر كبير على سوق اليورانيوم العالمي ، حيث أن فرنسا والولايات المتحدة تستوردان أغلب احتياجاتهما من اليورانيوم من النيجر ، خصوصا أن البديل الوحيد أمامهما الآن هي روسيا التي تعتبر أكبر مصدر لليورانيوم المخصب في العالم ، وقد بدا الإعلام الفرنسي فعلياً في التلميح الى الآثار الخطيرة التي قد تتعرض لها بسبب أزمة الطاقة الوشيكة بعد أن منع سلطات الانقلاب النيجرية تصدير اليورانيوم،

هذه ليست أول محاولة نيجرية للتحرر من النفوذ الفرنسي ، حيث أنها لم تتوقف عن محاولاتها للنجاة من الاستغلال الفرنسي الذي تسبب في تدمير وافقار البلاد ، فقبل نحو عقد من الزمان أرادت النيجر فتح أبواب الاستثمار في اليورانيوم أمام دول أخرى نظرًا للزيادة التي شهدها الطلب العالمي لهذه المادة ، إضافة إلى توتر العلاقات مع شركة "أريفا" الفرنسية التي تقوم بالتنقيب والتصدير للعنصر المشع ، لكن الفرنسيين احبطوا هذه المساعي من خلال قيام شركة "أريفا" بتمويل حركة تمرد الطوارق في شمال البلاد ضد السلطة المركزية، على أثرها طردت النيجر المدير الإقليمي للشركة وكان اسمه دومينيك بن ، لكن تمكنت فرنسا من الاستمرار في سيطرتها على اليورانيوم والاقتصاد النيجري.

اما سياسياً وميدانياً فقد تضامن الجيران مع التغييرات التي حصلت في نيامي ، ففي موقف علني وواضح اصدرت السلطات في بوركينا فاسو ومالي بياناً مشتركاً قالوا فيه إنهما سوف يعتبران أي تدخل عسكري في النيجر "إعلان حرب" عليهما ، وان اي محاوله لإعادة الرئيس السابق محمد بازوم إلى الحكم سيكون بمثابة حرب على البلدين ، وسوف يؤدي ذلك إلى انسحاب بوركينا فاسو ومالي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (سيدياو) ، هذا الموقف انسجم مع آلاف الأصوات من مختلف بلدان العالم المؤيدة لاستقلال الدول الأفريقية التام عن البلدان الاستعمارية ، ودعم حق الأفارقة في الاستفادة من ثروات بلدانهم.

ختاماً

١- استغلت الدول الاستعمارية إفريقيا لعقود من الزمن ، لكن الجيل الجديد في القارة السمراء قرر تحديد مصيرة بنفسه.

٢- الدول الأفريقية غنية بثرواتها الطبيعية ، وأوروبا استغلت هذه الثروات من دون مشاركة أصحابها ، بل تعمدت فرنسا وإيطاليًا وبريطانيا تجهيل الأفارقة من أجل سرقة بلدانهم.

٣- العالم يتغير من حولنا وعلينا ان نعي جيداً هذه المتغيرات وان نعمل من أجل بناء بلداننا بعيداً عن مكائد الدول الكبرى.