DELMON POST LOGO

التاريخ والعقيدة .. وصناعة الفتن

بقلم : محمد الانصاري

كل الخلافات لها حل ، وإذا لم نوفق لحل مباشر بين الخصوم ، فيمكن الاستعانة بالوجاهات الشعبية والمجتمعية أو حتى بالمحاكم كي تحسم النزاع قانونياً وتفصل بين الأطراف، فيما عدا الخلافات العقائدية والتاريخية فهي غير قابلة للتسويات ، حيث لا توجد محكمة يمكن ان تفصل فيها ، كما لا توجد وجاهة قادرة على ان تسويتها ، بل كلما زدنا الخوض فيها اتسعت المشكلة و كثرت المشاحنات من دون فائدة و نفع ، واحياناً يتحول الخائضون من خصوم الى أهل فتنة وهم لا يشعرون ، ويبلغ الفجور في الخصومة احياناً بأصحابها فيصبحوا مرتزقةً و عملاءَ لأعداء الأمة.

ومن أوضح صور المرتزقة وأصحاب الفتن هؤلاء الذين قاموا بتأسيس قنوات تلفزيونية او حسابات في وسائل التواصل من أجل هذا النوع من الأعمال ، وهم مجموعات دينية فاسدة بغض النظر عن أصل هؤلاء وانتمائهم ، ومدى قناعاتنا الشخصية بما يطرحون ، فليس التلفزيون أو وسائل التواصل مقام بحث في عقائد وتاريخ الأمة ، ولا مكان لمناقشة الزوايا المظلمة في حياة الأمم والشعوب ، لقد اصبح هؤلاء يتغذون على دماء الحروب التي يشعلونها ، و هم يخدمون سيدهم إبليس بعلم بإخلاص ، بعد ان تقمصوا زي أهل العلم والإيمان زوراً وظلماً وعدواناً ، فتمويل هؤلاء وتحريكهم والتخطيط لهم يأتي اما من الشيطان نفسه او " الشيطان الأكبر " او من أعوانهم أهل الشقاق والنفاق.

ولكي نكون واضحين فلا يوجد سبب يمنع الناس من البحث العلمي المؤدب والرصين ، وخصوصاً اذا كان هذا البحث بين العلماء والمثقفين والمفكرين المحترمين ، فالتحري و طلب الحقيقة حق للجميع ، وواجب على قيادات وزعماء الأمة دعمه وتيسيره ، ولا مكان لهذه الأبحاث الجدلية إلا دور العلم والجامعات ، وليس قنوات الفتن ولا الفيس بوك ولا التيك توك ، وكل ذلك وفق ضوابط وأسس أهمها ان لا تكون سبب للفتنة و الخلافات والشائعات بين الناس ، وان يكون طرحها وتداولها بأسلوب محترم لا يصنع أزمات وشروخ في المجتمع.

ان دَور الوقفين السني والجعفري مهم جداً في تشجيع الخطباء الدينيين على تحاشي الخوض في مواضيع الفتن التاريخية بين العامة من الناس ، ومن المهم حث الواعظين والمحاضرين على مناقشة العقائد بشكل علمي دون إثارة ، كما ان دور أجهزة الدولة الاخرى في ضبط الخطاب الديني والتاريخي لا يمكن الاستغناء عنه ، فليس مقبولاً أبداً لاي فرد او مجموعة المس بمقدسات الآخرين ، ولا يجوز إهانة اي دين أو ملة مهما كانت الأسباب ، فلا يوجد تاريخ أو حقيقة يقينية يملكها أحد او مجموعة بعينها.

ان معظم الحروب الكبرى كانت سبب نشأتها و الشرارة التي انطلقت منها اما جدل عقائدي او خلاف تاريخي ، حيث ان الجموع التي تشارك في التضحيات في الحروب ويقدمون ، لا يفعلون ذلك الا من أجل عقيدة ما ، في حين ان محرك هذه الحروب قد افتعلها من أجل مصالحها الشخصية ، وفي الواقع لن نجد سبباً أفضل من الدين والعقيدة لإقناع الناس للمشاركة معهم في مواجهة الطرف الأخر الذي يستخدم نفس الأسلوب ، بل ينتقي الطرفين جملاً من الآيات القرآنية أو الكتب المقدسة الأخرى ليشن بها الحرب على فئة مسلمة مثله وخير مثال ما قامت به داعش.

ختاما

١- لا معنى للبحث عن شذوذ القول عند جماعة ما ونشره في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي لإثبات ان تلك الجماعة على خطأ.

٢- ان جلب المتطرفين من الشخصيات الدينية امر مرفوض من جميع الأطراف ويجب حسم هذا الموضوع ورفضه تماماً من المجتمع والدولة.

٣- لا داعي لاثارت الناس في عقائدهم أو تاريخهم لان النتيجة معروفة ، لمن لا يعرفها يمكنه زيارة العراق او لبنان ليعرف ما هي نتيجة هذه الخلافات و إلى اين ممكن أن تصل.