DELMON POST LOGO

هل التعليم بالبحرين او في العالم العربي في خطر ؟

لا يتحمل المعلم مسؤولية خمول التلميذ وبلادته أو تعصبه الفكري وانغلاقه المعرفي تتحملها المنظومة الثقافية والمجتمعية والتربوية والسياسية

بقلم : عبدالله زهير

على منوال تودوروف في كتابه المهم "الأدب في خطر" يمكنني القول أن التعليم بجميع أنحاء العالم في خطر، ولكنه في عالمنا العربي أكثر كارثية وخطراً، وهو يسير بخُطى ثابتة وسريعة في كل يوم من سيء إلى أسوأ، لدرجة أنك تخمن أن الجحيم سيكون مكاناً أجملَ وأكثر اتساقاً وتنظيماً من هذا الحقل التربوي التعليمي، الذي يُعلِّم الجهلَ والكسل والبلادة والتخلف - بوعي أو من دون وعي ربما - أكثر مما يُعلم الشغف بالعلم والاستنارة والتحضر وتقديس المعرفة ومحبّة الأدب والشعر والفن والثقافة. لقد اشتغلتُ في مكتبة المدرسة (مركز مصادر التعلم) حوالى ثلاثة عشر عاماً، وكنتُ أشعر من بعيد بما يكابده التعليم الآيل إلى السقوط، إن لم يُتدارك واقعه المريع، وتوضع له الحلول العاجلة لإصلاحه جذريا لا مجرد الاكتفاء بالكلام عن تطويره، وليس تخصيص الميزانيات المالية الضخمة لتحسين شروطه وبيئته وتقليل أعداد المكتظين في الفصول إلا أقل شيء يمكن أن تقوم به أي جهة رسمية تريد فعلا إصلاح التعليم وإحداث تغيير جوهري في جسده المشلول المريض.

كنتُ أرى آليات تسيير شؤونه وشؤون المتعلمين في داخله، ولم أكن مقتنعاً بالكثير مما يجري، مما أشاهده عياناً، ومما يُنقل لي من الأصدقاء والزملاء.

كنتُ أتساءل في هيئة غير المُصدِّق.

كانت تساؤلات يشوبها مزيج من الحَيرة والشك والقلق والفضول. أيُعقل؟  كيفَ ينجح طالب ويُرفع إلى المستوى التالي، وهو لا يُتقن القراءة والكتابة بلغته الأم؟ ثم ما هو التعلم والتعليم إن لم يكن التعلم من الفشل والخطأ في كل مرة؟

إن الطفل الرضيع لَيحاول عشرات المرات الوقوف على أقدامه، ثم بعدما يحاول يتمكن من المشي خطوات، وهكذا يحاول فيفشل حتى يصل إلى تلك المرحلة التي يستطيع فيها الركض بسرعة بدل المشي.

لن أكون سلبياً بشكل مطلق فأقول أن منظومة التعليم فاشلة تماماً.  ثمة إيجابيات وعلامات مضيئة، ولكنها نتاج جهد أفراد، إما من الأسرة أو من موظفي المؤسسة التربوية نفسها. هذه المؤسسات بمنظوماتها الحالية، كقوانين ولوائح وهيكليات إدارية وفكر تربوي، لا تنتج مخرجات مميزة مبدعة في كثير من الأحيان إلا من خلال جهد الفرد نفسه مدعوماً من أحد أفراد أسرته أو أحد معلميه، وهو جهد خارج إطار المؤسسة التربوية في الغالب.

تُرى أين يكمن الخلل؟ وما هو الحل؟ لا أعرف. أنا هنا أطرح التساؤلات لا أكثر.

أظن أننا وقعنا في هاوية الصورة التفاؤلية الساذجة من دون أن نرى ما الذي يكمن وراءها. لستُ متشائماً، ولكن الحقيقة تدقُّ على عظامي كمسمار، وأنا لا أملك إلا أن أصرخ من شدة الألم ومن هول ما أشعر به.

هل أنا جديٌّ أكثر من اللازم؟ هل أنا أبالغ؟ ربما، ولكنها على الأقل الحقيقة الساطعة التي يراها الكثيرون ويشعرون بها، وهم من مختلف الاختصاصات، وليسوا من الساخطين أو المسخوط عليهم. هل أفرطنا في تدليل المتعلمين أكثر مما هو مطلوب؟ هل نحتاج إلى مراجعة كل المنظومة التي تسير عليها الأمور؟ ومن الذي سيقوم بكل هذا؟ هل اعتاد المتعلمون على أن يلقوا كل شيء جاهزاً؟ المعرفة من وجهة نظرهم لا بد أن تُقدم لهم على طبق من ذهب. لم أر من يحاول البحث باجتهاد مميز للوصول إلى المعرفة خارج إطار المناهج المدرسية المحدودة إلا على نطاق محدود جدا. لم أر طالباً واحداً يُنتج معرفة بأسلوبه الخاص والمتفرد.

ولو حاولتَ أن تحرك مشاعرهم المعرفية والأدبية فإن محاولاتك كلها تبوء بالفشل. خصائص المتعلمين هنا متفردة في البلادة وانعدام روح البحث والفضول نحو المعرفة.

هل نحن السبب؟  لا أدري. يقولون لك: طيّب، لماذا لم تحرك الدافعية لديهم؟ لماذا لم تحفزهم؟ أنت كمعلم، ما هو دورك؟ ماذا فعلتَ لتنتشلهم من هذا الكسل والتبلد؟ أقول: لماذا تفترضون أننا لم نفعل شيئاً؟ عندما نطلب مهمة بحثية في موضوع الأدب العباسي مثلاً، نقدم لهم درساً في كيفية إنجاز البحث من مقدمة وخطة وأهداف ونتائج وسواها. لن يستطيعوا إنجاز هذه المهمة البسيطة في أدنى حدودها.

أتعرفون لماذا؟ لأن البحث معناه بالنسبة لهم مجرد قص ولصق من الإنترنت كيفما اتفق. لقد تعودوا على الجاهزية في كل شيء.

المعرفة بالنسبة لهم وجبة سريعة معلبة. ثمة تصور مسبق لديهم في معنى البحث وكيفية إنجازه. لن تستطيع تبديل هذه الصورة المترسخة حتى لو قتلت نفسك. إنهم يفتقرون إلى المهارات الأساسية البسيطة كالقراءة والكتابة، فكيف تطلب منهم أن ينجزوا بحثاً على حقه وأصوله.

إنك إذن تطلب المستحيل. هذا مثال بسيط على هذه المأساة(الملهاة). هل نعيش في عالم موازٍ في القرن الوحد والعشرين.

أين هي المشكلة؟ هل هي في داخلنا كمعلمين؟ هل نفتقر إلى روح الإبداع التي تجعل المتعلمين ذوي دافعية وشغف؟ أعرف معلمين لم يتركوا شيئاً إلا وجربوه.

استراتيجيات وطرق تعليم وأساليب تقويم، وإلى آخره.  والنتيجة؟ ثمة نسبة ضئيلة من التجاوب والاستفادة. ثم ماذا بعد؟ لا شيء. يبقى التلميذ هو نفسه، بنيته الفكرية والمعرفية وطريقته في التفكير نفسها لا تتغير. وقد يقول لك بكل صراحة: لا أريد أن أتعلم، تكفيني عبادة الله. سألتُ مرة واحداً منهم، وقد مزق أوراق نشاط أعطاه له معلم في حصة سابقة، وجعلها أشلاءً في يديه، سألته ببرود أعصاب وفضول، لأعرف كيف يفكر: لماذا فعلتَ ذلك؟ أجاب بكل برود: "ملل، الدنيا ما فيها خير، تعبد الله فيها بس". قلت له في محاولة مني لمجاراته في طريقة تفكيره: "أنت مخطئ، طلب العلم أيضا عبادة، فالقرآن يدعو إلى طلب العلم (هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون؟)". وفي شهر رمضان، وأنت في بداية تهيؤك لشرح الدرس أو في ذروته، تتفاجأ ببعضهم وقد أخرج مصحفاً صغيراً أو كبيراً ليتلو القرآن بصوت عالٍ. أطلب منهم تأجيل تلاوة القرآن إلى حين الانتهاء، ولكنهم يعترضون. يعترض آخرون أيضاً غيرهم: "لا يوجد أرفع من كلام الله، في حصص غيرك لا أحد يطلب الامتناع عن تلاوة القرآن إلا أنت". أجيب: "طبعاً، ولكن الوقت الآن هو للدرس، نريد إنجاز شيء في هذه الدقائق، وثمة متسع من الوقت للتلاوة فيما بعد".

بعضهم يقتنع، والبعض الآخر يعاند أكثر ويُعلي صوت التلاوة.  إنها سلسلة متلاحقة من إنتاج القيم والمفاهيم وطرق التفكير في خارج المؤسسات التربوية، ولذلك فإن المهمة ثقيلة جدا. ماذا يعني هذا؟ هل يأتي المتعلمون جاهزين في بُناهم النفسية الفكرية والعاطفية والأيديولوجية بمعناها الواسع؟ ألا يعني هذا أننا نبذل جهوداً ضائعة في محاولة لتغيير العقول؟ هل ثمة جدوى من تعليم شخص قيماً مختلفة مُخالفة لما اعتاد، وقد ترسخت في ذاته قيم أخرى مناقضة؟ ماذا لو كانت هذه القيم التي تربى عليها مخالفة لقيم محبة العلم والفضول المعرفي؟ ماذا سنفعل؟ سؤال آخر: هل فعلا المسؤولون الكبار في هذه المؤسسات يعتنقون القيم العلمية والثقافية والفكرية التي تدعو إلى إنتاج المعرفة والبحث في طرقها غير السالكة لكي نسلكها؟ هل بنيتهم المعرفية وفكرهم التربوي يؤهلهم إلى تمثل هذه المهمة، والنظر في الزوايا الحادة المظلمة، والإضاءة على هذه الإشكالات وإيجاد السبل والحلول لها؟                                                                                                                                

لا أعرف ما هي الحلول. لا بأس، سأستعير اللفظ المستهلك لأقول إنني لا أملك العصا السحرية القادرة على إحراز الفارق. كل ما أعرفه أن هذه الآليات والُبنى والطرائق النمطية أدت وستؤدي إلى دمار التعليم. سيتحول إلى جثة لا روح فيها ولا حياة. لستُ سعيداً بطبيعة الحال أن أتوصل إلى نتيجة كهذه. ولكنها -إن لم تكن الحقيقة كاملة- فهي جزءٌ من الحقيقة على الأقل. الجامعات أيضا تعاني من مخرجات ضعيفة لا ترتقي إلى مستوى المناهج العلمية الحديثة. فالتعليم في مراحله الأساسية الابتدائية والإعدادية إن كانت العناصر المنتَجة فيها هزيلة سيؤثر حتى في المرحلة الثانوية وصولاً إلى المرحلة الجامعية. لا بدَّ من إشعار المتعلم بأن العلم ضد الكسل والملل والضجر والإهمال والجاهزية والاتكالية والقص واللصق والترقيع.

ما قيمة إحضار هؤلاء الملاحظين؟ ما قيمة اجتهاد المجتهدين؟ ما قيمة الوقت الذي ضيعوه في السهر وتقليب الكتب والجدية في الدراسة والتحصيل؟ أسأل لأني أشعر بالقلق كلما تكررت أمام عينيَّ هذه الظواهر المتفشية التي يُراد تغييبها، فيما الإحصائيات البراقة في وسائل الإعلام المختلفة تتحدث عن ارتفاع نسب النجاح والإتقان وجودة التعليم. سيقولون: المشكلة في المعلم لأنه يتحمل مسؤولية ضعف الطلاب على المستويات كافة، معرفياً وسلوكياً وشخصياً... إلخ. وهذا يذكرني بما كان الجاحظ يشير إليه بقوله: " إن من أعظم الشقوة، وأبعد من السعادة أنه لا يزال يُتذكر زللُ المعلمين، ويُتناسى سوءُ استماع المتعلمين". في ذلك العصر (القرن الثامن الميلادي)، الذي لم يكن فيه إنترنت وهواتف ذكية وعولمة وثورة رقمية وسواها، إذا كان هذا الجاحظ يقول هذا الكلام، فما عسانا نقول؟ أظن أن هذه الجدلية غير صالحة في تحديد من هو المسؤول الأول، بسبب طغيان عوامل مجتمعية وثقافية وتربوية وتكنولوجية تجعل مهمة هذا المعلم المسكين ثقيلة، بل مستحيلة. هذه العوامل خارج إطار إرادته، وبالتالي لا يتحمل تبعاتها المدمرة. لا يتحمل المعلم أبداً مسؤولية خمول التلميذ وبلادته أو تعصبه الفكري وانغلاقه المعرفي. تتحملها المنظومة الثقافية والمجتمعية والتربوية والسياسية التي تشكل بنية تفكيره وعاداته الشخصية ومنظوره إلى مسألة المعرفة مسبقاً، وبطرق سريعة وعاطفية، وقد يتنشّأ عليها الطالب عفوياً في بيئاته وحواضنه الأولى. من يستلم مسؤولية ما في الحقل التعليمي، في الوضع الراهن، كُبر أو صغُر منصبُه وشأنه، في وضع لا يُحسد عليه. إنه سيُلام على وضع ليس هو السبب في نشوئه وتراكمه على هذا النحو المزري، ومهمة إصلاحه دونها مطبّات ومستحيلات وحواجز لا يقدر على إزالتها. لذلك، لا أملك إلا أن أقول كان الربّ في عونهم، وكفى...