DELMON POST LOGO

جزر حوار و"الاقتصاد الأزرق" .. صناعة للسياحة، ووادي للتقنيات

بقلم :عبدالله جناحي

نشرت الصحف المحلية بأن مجلس المناقصات قد فتح عطاءات شركات تتنافس على مشروع إجراء دراسة جدوى لإنشاء جسر بحري يربط بين جزيرة البحرين وجزر حوار.

وإن من شأن هذا المشروع أن يعزز من حركة السياحة إلى الجزيرة التي يتم الوصول إليها عبر القوارب والسفن، وتعتزم وزارة الأشغال تعيين شركة استشارية مؤهلة ذات خبرة دولية واسعة في الأعمال المماثلة، وذلك لإعداد دراسة جدوى فنية متكاملة تشمل أعمال تطوير الطرق وأعمال الدفان البحري وإنشاء الجسور البحرية بالإضافة إلى إعداد تصاميم أولية وتفصيلية للطرق والتقاطعات متعددة المستويات.

السؤال البديهي هو: هل قامت الحكومة بدراسة شاملة وعلمية وبيئية واقتصادية حول جدوى ربط جزر حوار بالبر البحريني؟ خاصة أن صيغة الخبر المنشور تشير إلى أن هدف هذا الربط هو فقط لتعزيز حركة "السياحة" لجزيرة حوار!. فإذا كان هذا هو الهدف الوحيد، فالأولى التفكير بأن أحد أهم مميزات (سياحة الجزر) هو أن تكون الجزيرة السياحية معزولة، وبعيدة عن المدن الصاخبة والملوثة، مكانًا للاسترخاء والهدوء، والسباحة والصيد وممارسة الرياضات البحرية، وما النجاح المشهود له للجزر السياحية المعزولة في معظم بلدان العالم إلا مؤشر علينا الاسترشاد به، لمن يريد تمييز جزيرة حوار وتميزها سياحياً.

بيد أن موضوع استنهاض دور الجزر البحرينية، وبالأخص الجزر المتميزة كحاضنة للاقتصاد الإنتاجي الصناعي، سواء "صناعة السياحة"، أو تحويلها إلى جزر صناعية على نمط (وديان السليكون) المنتشرة في معظم دول العالم، والمتخصصة في الصناعات الدقيقة الإلكترونية والاتصالات والذكاء الاصطناعي، وغيرها.

هذه "الإستراتيجية" الاقتصادية للجزر أحسب بأنها تحتاج إلى الرؤى الخاصة بها فقط، كمحور منفصل في أي رؤى اقتصادية مستقبلية.

الدعم الحكومي، رافعة ضرورية:

إن هذه الجزر من الممكن تطويرها وإطلاق العنان للمشاريع الوسيطة التكاملية. ومثلما الصناعة تحتاج إلى دفعة قوية رسمية عبر مارشال خليجي، وشركة صناعية قابضة، فإن صناعة السياحة، أو الصناعات المعرفة والتكنولوجيا في هذه الجزر، تحتاج إلى نفس الدفعات الأولية المطلوبة تمويلاً ودعماً لوجستياً، فحسب معلوماتنا فإن معظم هذه الأفكار والمقترحات موجودة على الأوراق ودراسات الجدوى في الجهات الرسمية ذات العلاقة في البحرين. لكن المعوق الرئيسي الذي يواجه تحويل هذه المشاريع إلى أرض الواقع هو التمويل، وكلما انخفضت أسعار النفط وبالتالي إيراداته، كلما تراجع الاهتمام بالمشاريع الإنتاجية التي تحتاج إلى رافعة تمويلية في مرحلة بداياتها.

ورغم اعتقاد البعض بأن المناخ السائد في هذه الجزر غير صالح للسياحة، إلا أنه ومن واقع التجارب الدولية بمناخاتها القريبة من المناخ في البحرين فقد أكدت وجود شرائح كبيرة من السواح ينجذبون صيفاً إلى السياحة البحرية، وكذلك وجود شرائح من السواح من الشمال الأوروبي ذي المناخ البارد جداً، يرغبون بطقس شتوي دافئ لممارسة هواياتهم البحرية كالغوص والصيد والسباقات البحرية وغيرها، وهي كلها متوافرة في جغرافيا البحرين، لو تم التخطيط للسياحة كصناعة حقيقية ومتكاملة، وليست مجرد أرقام إحصائية لعدد السواح القادمين سنوياً وحجوزاتهم في الفنادق مثلاً.

إن هذه الجزر من الممكن أن تضخ قيماً مضافة ومشاريع وسيطة تكاملية، وتفرز أعمالًا ومشاريع جديدة، ويرافقها تحويل بعض هذه الجزر إلى محطات للصناعة وصيد الثروة البحرية، حيث تحيط بالبحرين ومدارها بحار ومحيطات ممتلئة بثروات بحرية من الممكن أن تتحول إلى صناعات كمصادر دخل إضافية. فهناك بحر الخليج العربي، وبحر العرب، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي. وإذا ما تم تأسيس شركة قابضة متخصصة بصناعة الصيد، فمن الممكن أن تنتعش صناعة ومشاريع السفن واليخوت والغوص وسباقات البحر وكرنفالات الصيد. إن الدول ذات الجزر المتعددة كتايلند وجزر المالديف وهاواي والفلبين وغيرها، حولت جزرها المتناثرة المأهولة بالسكان المحلين إلى منتجعات بحرية، وأصبح أغلبية المواطنين فيها يستفيدون من هذه الصناعة وفي شتى المجالات التسويقية والغذائية والفنية والتجارية والعقارية، ومتطلبات الرحلات البحرية والصيد والغوص .. الخ.

الصناعة السياحية والبحرية:

صحيح إن "السياحة" تعتبر إحدى مصادر الاقتصاد الريعي، حيث تعتمد الدولة فيها على الريع الخارجي، غير إننا في هذا المقام يجب أن نفرق بين الاقتصاد الريعي والذي يكون للأقلية الهيمنة على الثروة الناتجة عن النفط، والاقتصاد الريعي الذي يشارك فيه عدد كبير من المواطنين، كما في الجزر السياحية التي يعتمد أغلبية مواطنيها على السياحة القادمة من الخارج، ويشارك الجميع في الاستفادة من هذا الريع الخارجي. لذلك فإن البدء في خلق صناعة سياحية تخلق قيماً مضافة من مشاريع وسيطة وأفقية ينخرط فيها المواطنون ذوي الرغبة والخبرة في تلك المشاريع المرتبطة بالمشروع الأم السياحي، ولذلك من المهم وقوف دراسات الجدوى على توافر هذا العامل محليا حتى تتوسع فوائد ومزايا ومنافع المشاريع السياحية إلى أكبر قطاع ممكن من المواطنين، والوظائف والأعمال المرتبطة بشكل أو بآخر بالمشاريع السياحية.

جزر تتحول إلى محطات للتقنيات:

كما سبق ذكره بأهمية توسع دراسات الجدوى الاقتصادية بأبعد من هدف التطوير السياحي بحسب التوجه المعلن. فإنه من الممكن الاستفادة من بعض هذه الجزر لتحويلها إلى مراكز لصناعات المستقبل. وفي هذا المقام، من المفيد الإشارة إلى دراسة للأستاذ نزار البحارنة، رئيس الدراسات المالية والاقتصادية بغرفة تجارة وصناعة البحرين في عام 2005م، ووزير حقوق الإنسان لغاية 2011م، وهذه الدراسة كان هدفها -حسب تصريح البحارنة-  هو الترويج للبحرين كمركز لصناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، نشرت ملخصها في جريدة الوسط البحرينية، العدد 1065 - 6 أغسطس 2005م. وهي دراسة قيمة من الممكن الاسترشاد بها وتطويرها وإضافة صناعات جديدة عليها، لتصبح نواة لأي استراتيجية اقتصادية ذات علاقة بتوظيف الجزر في الاقتصاد. إن هذا التوجه لو تم احتضانه فسيسهم في تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية كمصدر رئيسي للإيرادات العامة للدولة. إلى جانب إن مثل هذا المشروع الريادي سوف يجعل البحرين مركزاً إقليمياً في المنطقة لصناعة الاتصالات وتقنية المعلومات مما يسهم في زيادة الصادرات إلى الخارج، وتحسين أوضاع الميزان التجاري وميزان المدفوعات من خلال تصدير برامج أنظمة الكمبيوتر للأسواق العربية والإقليمية.

وترى الدراسة بأنه في حال قيام البحرين بإنشاء عشرين شركة متوسطة الحجم تتخصص في إنتاج برامج أنظمة الكمبيوتر فسيمكنها من زيادة صادراتها من هذه السلع بما يقدر بنحو 500 مليون دولار سنوياً، كما تقدر قيمة أسواق المعلوماتية العالمية بنحو 3 تريليون دولار سنوياً، وتشمل عدداً من الأنشطة التقنية التي من أبرزها صناعة الحاسبات الآلية وبرمجياتها. ولنتذكر كيف نجحت شركة واحدة في البرمجيات من خلق "وادي السليكون" في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن الممكن الرجوع إلى دراسات عديدة عن ذات التجربة في الهند، تلك الدولة التي تمكنت من خلق وادي "للسليكون" بمشاريع ابتدائية واستثمارات بسيطة ما لبثت وأن تحول هذا الوادي إلى أحد أكبر وادٍ لصناعة البرمجيات ومتطلبات الحواسيب والهواتف في العالم. بل تمكنت هذه الصناعة من استقطاب مئات من الهنود المهاجرين للغرب وأمريكا وعودتهم إلى الهند ليواصلوا مسيرتهم الإبداعية في وطنهم كمحطة يقدمون من خلالها الخدمات لجميع الشركات العالمية، بما فيها الصناعات الكبيرة والحساسة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وكان هذا الوادي التقني الهندي المنبع الذي ضخ عشرات المشاريع ليس فقط الصناعية، بل إعادة تشييد البنية التحتية وإعادة إعمار المدينة وبناء أرقى المدارس والمعاهد والجامعات المتخصصة في مجالات التقنيات والمعلوماتية، الأمر الذي أدى إلى رفع مستوى المعيشة والمداخيل لجميع المدن والقرى المحيطة بهذه المنطقة الصناعية- أي وادي السليكون-. أي أن فكرة صغيرة تحولت إلى قيمة مضافة متشعبة وفي شتى مجالات الحياة. الأمر الذي رفع من مستويات المعيشة والدخل والنمو الاقتصادي الواضح في الهند عامة.

وهذا المسار المستقبلي تنبأت به الدراسة التي أعدها البحارنة، حيث رأت أن استثمار القطاع الخاص والشركة القابضة الحكومية في هذه الصناعات وتوطينها في منطقة جزر حوار سيسهم في خلق كوادر مهنية جديدة متخصصة في هذه الصناعات. وممكن أن يستعان بهذه الكوادر في باقي دول مجلس التعاون في تحقيق برامجها المتعلقة بالتدريب وتنمية القوى العاملة التي تحتاج إلى تقنية متخصصة وعالية الكفاءة. وتوضح الدراسة بأن معظم دول العالم تعاني من فجوة كبيرة في هذا النوع من العمالة الفنية لتلبية احتياجات أسواق العمل فيها. وأشارت الدراسة إلى أن دخول البحرين في إنتاج هذه الصناعات سيسهم في سد جانب من الطلب الخليجي المتزايد عليها، وكما أنه يمكن الاستفادة أيضاً من الزيادة في الطلب العالمي على هذه الصناعات الذي تقدره بعض الدراسات بنحو 13 % سنوياً في المتوسط وخصوصاً في الدول العربية والنامية. إن ما يشجع على نجاح هذه المشروع وجود قطاعات خدماتية ومصرفية في البحرين تعمل بشكل دائم لتطوير بنيتها التقنية والمعلوماتية. مما يخلق ابتداءً طلباً محلياً على هذه الصناعات، كما يمكن أن يسهم القطاع المصرفي في تمويل تأسيس مشروعات ضخمة لإنتاج هذه الصناعات، مما يمثل حافزاً مهماً لتأسيس هذه الصناعات وتوطينها في منطقة جزر حوار. وأوضحت الدراسة إن هناك نمواً في الطلب على صناعة البرمجيات التعليمية العربية، كما أن هناك الكثير من المنتجات التي لا يمكن أن يتم تصديرها إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية ومنها برامج التعليم باللغة العربية والثقافة الإسلامية وغيرها من البرامج متعددة اللغات والأغراض، إذ توضح بعض الدراسات أن العائد المتوقع لاستثمار نحو 30 مليون دولار في صناعة تكنولوجيا المعلومات خلال أربع سنوات يمكن أن يصل إلى نحو 900 - 1000 مليون دولار.

إن متطلبات نجاح هذا المشروع الريادي كما تراها الدراسة والاستفادة من جزر مهملة صناعياً وسياحياً وتجارياً هي قيام الحكومة والشركة القابضة على تخصيص أراض وتجمعات صناعية في منطقة جزر حوار للشركات العاملة في هذه الصناعات على أن يتم تجهيز هذه الأراضي بمرافق البنية الأساسية المتكاملة وخدمات الاتصالات وشبكات الكابلات الضوئية وغيرها من الخدمات اللازمة لقيام هذه الصناعات.

إن القيم المضافة التي ستنتج عن هذه الخطوة هي زيادة الطلب في إنشاء كليات لتقنية الاتصالات والمعلومات تكون على تشابك وثيق مع الشركات ومراكز التدريب فيها. ومن الممكن - حسب الدراسة - الترويج لوادي سليكون جزيرة حوار عبر وسائل الإعلام وشبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي، وتنظيم معارض محلية وخارجية، وإقامة المؤتمرات المتخصصة. ودعوة المستثمرين للاستثمار في هذا المجال في منطقة جزر حوار مع أهمية الإعفاء الجمركي والضرائب للشركات العاملة في مجال صناعة تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات والصناعات والخدمات المرافقة لها لسنوات محددة فقط حتى تتعزز هذه الصناعات وتتولد عنها صناعات ومشاريع وسيطة ومتكاملة لها.

وطبيعياً فإن نمو هذه الصناعات في جزر حوار ترافقه جذب لمشاريع خدماتية تجارية وسياحية وترفيهيه كالمجمعات التجارية والفنادق والشقق والملاهي والبرامج السياحية المتنوعة، ومنها ربطها بصناعة السياحة البحرية. وليس بعيداً بأن مخرجات هذا الوادي الصناعي سيؤدي إلى تشييد جسر معلق بين جزر حوار وجزيرة البحرين الأم، جسر يخلق قفزة صناعية وتجارية وسياحية وخدماتية. وفي اعتقادي، إن الجسر المعلق لن يدمر البيئة والثروة البحرية، قياساً للجسور التقليدية، وهذا مهم جداً لحاضر ومستقبل الحياة البيئية في البحرين. ويخلق ميزة سياحية نادرة في الشرق الأوسط. خاصة وإن المسافة بين جزر حوار وجزيرة البحرين الرئيسية حوالي 16 كيلو متر. والمتابع للدول التي شيدت الجسور المعلقة الحديثة قد تحولت إلى معالم سياحية جاذبة للسواح أيضاً، ولإنتاج أفلام عالمية وغيرها من مقومات صناعة السياحة.

إن الإرادة والوعي ووجود الإصرار والتمويل والرؤية بعيدة المدى هي التي تحول الأحلام إلى وقائع، والمستحيلات إلى الممكنات، وحين يقتنع أصحاب القرار السياسي والاقتصادي بأنه قد آن الأوان للانتقال الجاد إلى اقتصاد إنتاجي صناعي، فإن كل هذه الصناعات سوف تتحقق، وستولد مخرجات وقيماً مضافة، وتنوعاً ملموساً في مصادر الدخل القومي.

شروط لإنجاح صناعة وسياحة الجزر:

أولاً: إستراتيجية استنهاض الجزر اقتصادياً، تتطلب الالتزام بالتحدي البيئي وهو من أهم التحديات التي تواجه اقتصاديات الدول الأرخبيلية، وفي حال جزر حوار، من المهم في تقديري الابتعاد عن نماذج التنمية التقليدية والالتفات إلى مفهوم "الاقتصاد الأزرق" وتنمية النشاطات الاقتصادية المتعلقة بالبحر والسواحل وخلق نشاطات اقتصادية مترابطة.

ثانياً: واقعياً لا نستطيع خلق تنمية اقتصادية حقيقية ذي قيمة مضافة دون المزيد من الترطيب والتعاون مع دول الجوار. حيث أن هناك مبدأ معروف ينص على أن الاقتصاد في علاقة عكسية مع السياسة المتوترة. ولذلك فجميع البؤر الحدودية المتوترة في العالم من المستحيل أن تكون جاذبة للاستثمارات الصناعية والسياحية من جهة، وللمزيد من السياح من جهة ثانية.

ثالثا: من المهم للبحرين الالتفات إلى نموذج أكثر استدامة وصديق للبيئة، ويعتمد على مواردنا الوطنية، وبالتالي مواجهة المنافسة والتحديات البيئية، دون اي تفريط بالجزر والثروة البحرية وحمايتها، ووضع شروط صارمة على الشركات التي ستعمل على تنفيذ هذه المشاريع، بحيث يتم الالتزام المطلق بمتطلبات "الاقتصاد الأزرق" للبيئة المحيطة بنا وبجزرنا.