DELMON POST LOGO

نهار آخر .. عودة الوهج لسردية مفتاح العودة

بقلم: رضي الموسوي

"إن السيطرة على السرد، وفرض رواية وحيدة، يتم الترويج لها في المؤلفات التاريخية على أنها الرواية الصحيحة والوحيدة التي لا جدال فيها، قد يكون وراء إنشاء أرضية صلبة لفكرة (الحق الديني) في مشروع اغتصاب فلسطين".

(المفكر والباحث العراقي فاضل الربيعي)

لم تكن نكبة فلسطين والأمة العربية التي جائت في لحظة تيه وهوان وتخاذل عربية وتآمر دولي لإنشاء كيان استيطاني في خاصرة الوطن العربي، نتاج لحظتها، بقدر ماهي تراكم كمي لفعل ممنهج أريد منه إضعاف الأمة التي بدأت في بعض أقاليمها تنتج ثروات طبيعية هائلة (النفط) من شانها نقل الوطن العربي الكبير من حال الفقر وتردي البنى التحتية إلى حال أفضل لو تم التفرغ للتنمية والإهتمام بالإنسان في هذه المنطقة. لكن قرار التقسيم سلب الأرض من أهلها واصحابها الأصليين ومنحها لمحتلين جاءوا من أصقاع الدنيا ليستوطنوا في فلسطين وصوروها زورا أنها أرض الميعاد.

سبعة عقود ونصف العقد مضت على ذكرى النكبة، كان مفتاح العودة عنوانها الأبرز، رغم كل محاولات طمس الذاكرة وشطب السردية الفلسطينية وتقديم السردية الصهيونية الاستعمارية-الاستشراقية مكانها. إلا أن هذا العام يختلف عن غيره من الأعوام والعقود السابقة، ذلك أن السردية الفلسطينية وبعد كل هذا الزمن من التزييف كأن فلسطين تلد من جديد بفضل مقاومتها ومن ورائها شعب عظيم خبر المِحن والأهوال التي لم تمر على شعب كما هي محن غزة الآن.

تحدث الآن تغيرات كبرى في الوعي الشعبي العالمي يمكن البناء عليها للفعل المستقبلي، أحدثتها عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبها من انكشاف لحقيقة الكيان الذي تغنى بوجوده كواحة ديمقراطية في صحراء استبدادية تحيطه من كل جانب، فإذا بالاقنعة تسقط تباعا وتتكشر أنياب النازية الجديدة في قطاع غزة على شكل حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي وجرائم حرب ويتجدد تأكيد طبيعة هذا الكيان ومهمته الوظيفية كقاعدة عسكرية متقدمة للإستعمار الغربي والليبرالية المتوحشة المتعاقبة على قيادة العالم.

من أهم النتائج الرئيسية للطوفان، هي بدء تغير سردية الصراع العربي الصهيوني في أوساط الرأي العام العالمي. فرغم قدرات الاحتلال التدميرية الهائلة التي تزوده بها الإدارات الأمريكية والدول الغربية المتحالفة معها، إلا أنه جيش عاجز عن المواجهة، فهرب للأمام بالإبادة الجماعية التي يرتكبها الآن في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، ما أدى إلى تضعضع السردية الصهيونية التي يروج لها بأنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، ليتبين للعالم وشعوبه وقواها الحية بأن هذا الكيان لا يستطيع البقاء دون دعم من القوى العالمية الكبرى التي أوجدته.

هبات غير متوقعة

شكلت الهبّات الطلابية في أمريكا والدول الغربية ودول العالم التي قامت بها مئات الجامعات والحراكات الشعبية التي سبقتها وترافقت معها، رافعات عملاقة خلخلت السردية الصهيونية، وبينت أن "إسرائيل" هي دولة مارقة وخارجة على القانون الدولي ولا تعترف بالمعاهدات الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول بما فيها قواعد الحروب، وذلك بإمعانها في تعمد قتل المدنيين وخصوصا الأطفال والنساء، الأمر الذي أوقع سردية الكيان في مقتل، فلم تعد مقولة "معاداة السامية" تجذب الرأي العام، إنما بدأت تعطي مفاعيل عكسية، بعد أن استخدمت الحركة الصهيونية العالمية هذا الشعار من أجل التغطية على جرائم الاحتلال. كما كشفت المجازر الجماعية وتدمير المدارس والمستشفيات الجزء الأكبر من حقيقة العدو وفاشيته وحرب إبادته.

إن البناء على مكتسبات عودة السردية الفلسطينية إلى الواجهة وبدء تبنيها من قبل الرأي العام العالمي وخصوصا الشباب الجامعي الذي شكل موقفه علامة فارقة مهمة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن طوى السردية الصهيونية وبدأ في تبني السردية الفلسطينية التي تؤكد على الحق والعدالة، هذا البناء يتوجب التعويل عليه واستحضار دروس التاريخ لتعزيزه. فما قام به طلبة الجامعات الامريكية تجاه غزة وفلسطين يُذكّر بما قامت به الجامعات والشارع الامريكي نهاية ستينات القرن الماضي إبان حرب فيتنام، حيث أدت هذه التحركات إلى خضة كبرى في الولايات المتحدة وإلى هروب الجنود الامريكان من فيتنام على وقع ضربات المقاومة هناك وتحرير سايغون وإعلان الانتصار الكبير في الهند الصينية في نهاية المطاف. تحرك الجامعات في العالم لنصرة فلسطين قلب الطاولة على مراكز صنع القرار واللوبيات الصهيونية المتعددة وأسس حالة جديدة لتقديم سردية أخرى للصراع العربي الصهيوني ..وللنكبة.

وهج مفتاح العودة

قامت الدولة الصهيونية على ترويج الأساطير التوراتية التي بدأ يتكشف زيفها مع وجود الدراسات الجديدة للمفكرين والبحاثة في علم الأساطير، ومع البحث المضني في الوثائق الصهيونية التي يعود تاريخها لما قبل النكبة واثنائها وبعدها.

يسهم المفكر فاضل الربيعي في كشف الزيف الصهيوني، مثيولوجيا، فيجزم أن السبي البابلي "لم يحدث في فلسطين قط، ولم تعرف أرضها ولا تاريخها مثل هذا الحدث الضخم". ويعزي الترويج لحصولها في فلسطين إلى مرجعية تعود إلى تلفيق القراءة الاستشراقية للتوراة، بإحتكار السردية في إطار يهود امريكا وأوروبا، ويؤكد أن الغرض من هذا الاحتكار المنهجي والمنظم للسرد التاريخي لموضوعة السبي البابلي الذي حدث قبل قرون طويلة، تتصل مباشرة برواية أخرى عن التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي يشكل ما يجري الآن في غزة امتدادا لها، بل أنه ومنذ إطلاق وزير الخارجية البريطاني، بلفور، وعده في 2 نوفمبر 1917 بمنح وطن قومي لليهود في فلسطين، زاد من احتكار الرواية التي تخدم الدوائر الصهيونية والغربية وتُعبد الطريق إلى إغتصاب فلسطين واستيطانها.

بجانب الربيعي، حفر الباحث والأستاذ الاكاديمي اليهودي، إيلان بابيه، ليفصل في الراهن ما ذهب له الأول تاريخيا وميثولوجيا، وفعل كذلك مجموعة من الباحثين الفلسطينيين والعرب. بابيه فنّد الرواية الصهيونية عن النكبة من وثائق العصابات الصهيونية نفسها، وأكد على السردية الفلسطينية التي تقول أن العصابات الصهيونية، مدعومة من قوات الانتداب البريطاني، نفذت مجازر ضد المدنيين الفلسطينيين في نحو 50 قرية وبلدة فلسطينية قبل الحرب العربية الصهيونية في العام 1948، وأصّل للموقف الصحيح بكشفه حقائق دامغة في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، معتمدا على الوثائق التي كانت بحوزة عصابات شتيرن والهاغانا وأرغون والبلباح الصهيونية.

يؤكد بابيه، الذي كان أستاذا في جامعة حيفا وتم طرده منها بسبب آراءه المناهضة للصهيونية وانتقل إلى جامعة إكستر في بريطانيا، أن التطهير العرقي والإبادة الجماعية بدأت قبل قرار التقسيم والحرب العربية الصهيونية. وجزم أيضا بأن مؤسسي الصهيونية - من ثيودور هرتزل إلى ديفيد بن غوريون - كانوا يخططون دائمًا لطرد السكان الفلسطينيين الأصليين كشرط أساسي لإنشاء دولة يهودية حصرية في فلسطين. ويستحضر بابيه ما أكده بن غوريون، الذي كان حينها المدير التنفيذي للوكالة اليهودية في العام 1937، وهي المنظمة المكلفة بشراء الأراضي للمستوطنات اليهودية في فلسطين: "أنا أؤيد النقل الإجباري، وأؤيد النقل القسري، ولا أرى فيه أي شيء غير أخلاقي". وفي العام 1947 أفصح بن غوريون عن حقيقة اهداف الحركة الصهيونية، عندما رفض قرار التقسيم، سائرا على طريق التطهير العرقي، فيقول "يوجد 40% من غير اليهود في المناطق المخصصة للدولة اليهودية، هذه التركيبة ليست أساسًا متينًا للدولة اليهودية... فقط الدولة التي يشكل اليهود فيها 80% هي الدولة القابلة للحياة".

هذا القول الذي يستحضره إلان بابيه بعد فحص الوثائق العسكرية الصهيونية التي تم التصريح بالاعلان عنها، يُذكّر بواقع فلسطين الديمغرافي قبيل قرار التقسيم. ففي آخر إحصاء قام به الانتداب البريطاني في نوفمبر 1931، خلص إلى أن سكان فلسطين كان يبلغ مليون و33 ألف نسمة، باستثناء القوات البريطانية، بزيادة قدرها 36 بالمئة عن العام 1922، وذلك بسبب زيادة عدد اليهود الذين فتحت لهم الهجرة لفلسطين فزادوا بمعدل 108 بالمئة. وقد تم تقسيم السكان حينها حسب الدين: نحو 760 ألف مسلم، 174 ألف يهودي، 91 ألف مسيحي، 9آلاف درزي، 350 بهائي، 182 سامري و421 لاديني. تؤكد هذه الإحصائيات على مخطط التطهير العرقي والإحلال الديمغرافي بمضاعفة عدد اليهود بالهجرة على حساب السكان الأصليين. لكن قرار التقسيم في 1947، منح اليهود 56 بالمئة من أرض فلسطين، مقابل 42 بالمئة للفلسطينيين، ووضعت مدينة القدس تحت وصاية دولية. كل ذلك لم يعترف به الصهاينة، ما يؤكد ما ذهب إليه كل من الربيعي وبابيه وآخرين، كل في اختصاصه، بأن السردية قائمة على فكر عنصري إستئصالي يستخدم التطهير العرقي والابادة الجماعية وسيلة للوصول إلى الهدف وهو احتلال كامل فلسطين والتمدد لتجسيد الحلم الصهيوني بدولة من الفرات إلى النيل.

يؤكد بابيه في هذا المقام أيضا بأن على "إسرائيل" الإعتراف بجريمتها التاريخية، ويراها "دولة  عنصرية حتى النخاع، ويجب إضفاء الطابع الديمقراطي عليها وتطهيرها من الكراهية". ويعتقد أن الخطوة الأولى نحو التحول الديمقراطي تتلخص في إزالة الطابع اليهودي للدولة، والسماح لجميع اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، وتحقيق المساواة الكاملة بين العرب واليهود في فلسطين".

هذه الخلاصة هي الموقف الثابت الذي تتمسك به المقاومة الفلسطينية  المتعاقبة منذ وعد بلفور المشؤوم، ولاتزال متمسكة بهذا الحق بعيدا عن الصفقات المشبوهة التي شكل اتفاق أوسلو قمة كارثيتها. فلا يصلح لفلسطين حل الدولتين، بل الدولة الديمقراطية على جغرافيتها التاريخية.

ومع اتساع فهم السردية الفلسطينية وما تتمتع به من تعاطف ودعم وتضامن عالمي، وضمور السردية الصهيونية وتواريها بسبب انكشاف الطبيعة النازية للكيان، يمكن العمل الجاد على إزالة آثار النكبة بالبدء في نسج السردية الفلسطينية ووضعها في مكانها الصحيح الذي تستحقه بعد كل هذه التضحيات والآلام الكبيرة في قطاع غزة والأراضي المحتلة. حينها يكون لرفع مفتاح العودة طعم آخر.