DELMON POST LOGO

ألاسباب السياسية لعدم مبايعة الامام الحسين ليزيد ؟

يعرف الباحث جان جاك شفوليه السياسة بانها ( باتت تقنية يتداخل فيها الابداع والخبرات في ابتكار جهاز في غاية التعقيد ، لادارة اهواء متضاربة ومصالح متنافرة وفق معايير ، يعتمدها المجتمع ، والتي تتغير بتغير أوضاع المجتمع وذهنيته ومنظومة قيمه ، وبالتالي لم تعد السياسة حكما دينيا بل هي فعل انساني خالص في مسرى اختباراته الحياتية وانتظامه الاجتماعي ، ولا تحتاج الى عصمة بشرية بقدر ما تحتاج الى مراكمة المزيد من الأخطاء للتبصر في حقائها وتحسين بنيانها ).

الامام الحسن بن علي ،  يعتقد ان احقاق الحق هي مسؤولية الامة باسرها وليست مسؤولية الامام وحده ، وواجب إقامة الحق هو واجب الامة مجتمعة ، فلا يمكن للامام ان يحكم الا حين تكون في حالة رشد وصواب ، انه قرار الامة وليس قرار الامام ، وعلى الامة ان تبادر لا الامام .

في هذا الكلام شيء من الحديث عن الشرط التاريخي لاي مشروع سياسي ، فاذا توافر الشرط التاريخي / بمظاهره الاجتماعية والثقافية فليكن ، والا لا جدوى من أي جهد او نشاط ، لانه بمثابة الدخول في المجهول ، وعمل انتحاري او مدمر / مصيره الطريق المسدود والمزيد من التدمر داخل الامة ، ومزيد من الحرج والارتباك للمشروع نفسه. ( بعد مقتل الامام الحسين اصبح ذلك الخيارالمعتمد لدى اكثر ذرية الحسين – الائمة التسعة ).

بالمقابل الامام علي ابن ابي طالب فيرى ان الاصلاح لا يتحقق بطريقة عفوية وبذاته داخل الامة ، بل لابد له من قوة دفع ، من إصرار عنيد ، من ثلة تدفع بالامور وتخوض غمار المواجهة الكاملة بكامل ثقلها حتى النهاية ، ترك الأمور للامة يعني ترك الساحة بالكامل للمعسكر الاخر في حسم الموقف لمصلحته .

وان المشاريع السياسية لا تدعى بل تدعو، لا تأخذ موقعها بوعي ويقظة فجائية من الناس بل تنتزع موقعها ، وتقاتل حتى النهاية لو كانت احتمالات النجاح ضعيفة وضئيلة. الانسحاب يعني ترك الساحة للمشروع الاخر ، الذي سيعود عليك ليلاحقك ويقتلك . هكذا كان الامام علي وهكذا فكر الامام الحسين من بعده .

استشهد الامام الحسن ( مسموما ) وتوجهت الأنظار الى الامام الحسين ، الذي اخذ يرصد الأمور وكان واضحا ان لديه  مسعى للعودة الى المسرح السياسي ( الذي تركه الامام الحسن ) ، يريد إعادة بناء المعسكر العلوي ، وان يبدأ من حيث انتهى ابوه الامام علي من الكوفة ، الملاذ الوحيد والخيار الوحيد المتاح  بعد فقدان مدينة الرسول رونقها السياسي ونقل مركز الحكم الى دمشق ، كما انه لم تكن اهتمام اهل المدينة بمجريات السياسة وتخوف الفتنة فسارعت الى بيعة بزيد .

تسلم الحسين الملف العلوي بعد أخيه الحسن ، وهو ملف معنوي ووجداني يذكر المسلمين ببقية نبيهم ، كان على الحسين البدء من الصفر تقريبا ، لا يحمل الا سمعته ومكانته الشخصية، والاهم نسبه الشريف الذي لايزال يحمل صدى ووقعا كبيرا بين الناس .

فقط احتفظ الحسين بهدوئه من معاوية ، ولم يظهر منه ما يثير ريبة الامويين ، فهم كانوا يرصدونه ، ويعرفون انه يعد لشئ ما خصوصا وانه منذ البداية ، وله وجهة نظر لصلح أخيه الحسن مع معاوية دون ان يرتقي موقفه الى الاعتراض العلني على سياسة أخيه حسب الأصول في البيت العلوي باعتبار الامام الحسن هو امام زمانه ، وفي راي اخر ان هناك ( انسجام الحسين مع الحسن في الرؤية والسلوك السياسي والصلح مع معاوية بسبب الأوضاع على الأرض بعد مقتل الامام علي ).

عروض ودعوات كثيرة جاءته من الكوفة ، تحثه على التحرك والخروج ، كان الحسين يردها دائما لا لانه ملتزم بالاتفاق الذي ابرمه اخوه الحسن مع معاوية رغما ما يعمله معاوية من الغاء شروط الصلح والتنكيل بشيعة علي ،،، وتقديره بان لحظة التحرك المناسبة لم تات بعد .

لذا لا يسبعد ان هناك تنسيق مسبق بين الحسين وقاعدة الامام علي بالكوفة قبل موت معاوية ، والاتفاق معهم في تحديد ساعة الصفر.

استدعى الحسين من قبل حاكم المدينة لارغامه على البيعة ليزيد ، إضافة الى رموز مدينية أخرى وهم عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر .

عمد والي المدينة تحت طائلة التهديد بالقتل ،ان ينتزع منهم اعترافا وبيعة ليزيد ، لكن البيعة هنا لا تشبه اية بيعة سابقة ، فيزيد شارب الخمر ، ومعروف بهتكه للدين جهارا ، وبيعته تعني إقرارا بهوية جديدة للدولة ، ووضعية خطيرة لمكانة الدين ، وهو امر لا يمكن قبوله حتى لو استلزم قتله .

خرج الحسين ولم يخرج معه احد من بني العباس ، ولم يخرج معه اخوه محمد بن الحنفية ، بل خرج الحسين  بعائلته وبعض أبناء عمومته وأبناء أخيه ، وهو خروج يحمل دلالة على هذه العائلة ومصيرها في حال خرج وحده ولم يبايع. لم يرد لعائلته ( الكبيرة )  ان تتحمل ، وزر خروجه ، او إمكانية ان يبتزه يزيد بها...بعد خروجه حصلت بيعة المدينة ليزيد بعد اقدام عبد الله بن عمر على البيعة.

رفض الامام الحسين للبيعة

لماذا رفض الحسين البيعة ، ولم يؤثر السلامة ويحقن الدماء التي كانت حجة الحسن الأساسية في التنازل لمعاوية مع قلة الناصر وضعف الحيلة في المواجهة ؟؟؟ رغم تحذيرات أخيه ابن الحنفية وابن عمه بن العباس !!.

هناك شيئ في شخص الحسين نفسه ، هي شخصية فدائية قوية لا يخاف المواجهة حتى الرمق الأخير ، رجل الخطر ، رجل الرهانات الذي لا يبالغ في الحسابات حتى لا يصبح اسيرا لها ، بل يبقى لها ، بل هو صاحب المبادرة ، رجل الحدث وصانعه ، يستنفذ الاحتمالات بدلا من ان تستنفذه ، رجل البطولات العربية ، بل اسطورة البطولات العربية والشرف العربي ، هذا مزاج سجيته ، لا يمكن تفسيره او تعليله، هي موجودة فيه وكفى ، وكشف عن نفسه بقوة في مشد فداء وتضيحة ونبل وفروسية واقتحام في كربلاء  التي رسمت أروع تراجيديا إنسانية تناقلتها الشفاه وسجلها التاريخ الإنساني .

هذا لا يعني ان ذهاب الحسين الى الكوفة كان بلا افق سياسي او من دون تخطيط قيادي محسوب ، فمغامرة الحسين ليست تهورا، وليست فعل لاثبات لذاته الشخصي ، الحسين قيادة يحمل هم النبوة وقلقا على قيمها ومصيرها ، قضية ( دين جدي ) التي جعلها شعارا لتحركه ، والمؤتمن عليها اكثر من غيره ، ما يقتضي ان تكون خطوته بحجم القضية التي يحملها ، تضحي التضحية بكل شيئ احتمالا واردا ، بيما فيه النفس والاهل ، لكن في سياق حراك عام وأداء مدروس يحمل معه حظوظ نجاح معقولة لقضية لا لصيته وسمعته فقط.

كان يعلم ان البيعة ليزيد هي نهاية كاملة لطريقة اختيار خليفة الامة ، وطريقة اختيار امير الامة الإسلامية ، ((إنّما الشّورى للمهاجرين والأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما كان ذلك لله رضا وإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتّباع غير سبيل المؤمنين وولاّه الله ما تولّى ويصليه جهنّم وساءت مصيرا )- خطاب الامام علي لمعاوية ، وللخط العلوي ، وبمثابة قضاء مبرم على ما تبقى ، لذلك لم يخرج الحسين من المدينة هاربا من ارغامه على البيعة ، بل هو قرار بالمواجهة. انها الفرصة الأخيرة لاستعادة مكانة البيت العلوي وعودته الى المشهد السياسي من جديد ، لا ان يتحول الى بيت للتبرك الديني ولتكريم الاجتماعي وعليه ان يعيد تنظيم صفوف هذا البيت وتعبئته لانتزاع زمام المبادرة من البيت الاموي .

الكوفة لا مكة ، التي تؤمن له كتلة مقاتلة موحدة متناغمة يجمعها هوى واحد وهدف واحد وهي التي ظلت وافية للبيت العلوي رغم التنكيل الاموي.لاسيما ان مكة مركز ديني ، ومصر عثمانية ، واليمن بعيدة عن مركز الحراك السياسي .

بعد وفاة معاوية ، اجتمع اهل الكوفة في منزل سليمان بن صرد فاتفقوا ان يكتبوا الى الحسين رسائل وينفذوا رسلا طالبين القدوم اليهم في الكوفة ، لان القوم قد بايعوه ونبذوا بيعة الامويين ، عندما وصلت الرسائل للحسين ارسلهم لهم سفيره مسلم بن عقيل لاخذ البيعة والتحقق من جديتهم ، وهو توجه من مكة للكوفة ،، بعد وصول كتاب عقيل بان عدد المبايعين وصل 18 الف شخص من اهل الكوفة ،،،

تغيرات سياسية في دمشق ، تقيل والي الكوفة النعمان بن بشير، وتعهد ذلك الى عبيد الله بين زيادة الذي وصل الكوفة وقتل عقيل قبل وصول الحسين اليها بعد ان تخلى اهل الكوفة عن الحسين وأعاد الكوفة الى حظيرة السلطة.

نجح منطق يزيد وتفوقت استراتيجيته في انتزاع سكون الناس وقبولهم ، وانتهى الحسين في الصحراء ، وجاءت لحظة  الحسم ، اما البيعة او الموت ، هو الموقف نفسه الذي جوبه به في المدينة ، ولكن هذه المرة جوبه به في الصحراء ، وحيدا محاصرا ،،،

اختار الموت ، آثر الشهادة ، لم يتردد ، وما القول بانه طلب منهم العودة او الذهاب الى يزيد الا كلام يراد به اظهار التردد في موقف الحسين وعزيمته .

الحسين هو علي نفسه ، بالطبائع والسجية نفسها ، استشهد الحسين مع أصحابه ، القلة القليلة الممتحنة ، التي لا عصبية ورائها تحميها وغير مهتمة بحسابات الربح والخسارة ، الثلة التي قاومت الشرط التاريخي كله ، لم تستطع تغيير الأمور لكنها تركت بقعة ضؤ متوجهة فيه ، فباتت هي الذاكرة النقية ، وجه الله الذي يقصد بها .

نجح الخيار الاموي ،وغلب خطاب السلطة خطاب الحسين ، لا في الحجة بل في ميل الناس ورغباتهم ، وخسر الخيار العلوي الذي راهن على استنهاض الحس الديني والوازع الأخلاقي وتبين ان حجم المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية بات اكبر من ان تؤطر تاطيرا دينيا ، هي تنزع بحكم طبيعة هذه التحولات ، الى شكل حكم امبراطوري .

كانت ثورة الحسين الطلقة النبوية الأخيرة لمقاوية الوجهة الجديدة ، ودفعها باتجاه التظلل بالوازع الديني ، لا استتباعها للدين وجعله في خدمتها ،، هي رؤية لا تهدف الى الخروج من التاريخ ، بل استنهاض القوى المضادة للدفع باتجاه وجهة تاريخية أخرى تبين ان وجهة الحكم الامبراطوري المستقر على احكام سلطانية ، هي وجهة التاريخ الحتمية والقدر الذي لا مفر منه .

كان الفريقان وجهتان متضادتان ،،،

احدهما تريد اطلاق يد السلطة بالكامل لتكون مرجع نفسها ومصدر قيمها الخاصة ،،،

ووجهة تقول ان توجيهات الدين لم تكن لترمي جانبا ،

رؤية ترى الاعتراض على السلطة فتنة وخروجا على الجماعة  

ورؤية ترى السكوت والصبرعلى انتهاكات السلطة فضيلة  

ورؤية ترى ان فضل الجهاد عند الله كلمة حق امام سلطان جائر

ورؤية ترى السواد بستنا لقريش وملكا عائليا

ورؤية ترى السكوت عن  الحق مشاركة في الجرية

رؤية ترى السلطة ملكا عائليا يورث

ورؤية ترى المال مال الله يوزع على عيال الله بطريقة منصفه

وحسم التاريخ الإسلامي موقفه لمصلحة الرؤية الاموية التي تجلت في بنية امبراطورية خالصة ، وتوارت الرؤية الثانية التي كان الحسين فرصتها الأخيرة.

بمقتل الحسين ، انتقل الخطاب من خطاب الامة ( الذي يمثله الحسين ) الى خطاب الفرقة الناجية والملة الناجية ، وتحولت معها السياسة من اصطفاف خلف قائد لاجل قضية عامة الى ان يصبح القائد هو الرمز والقضية واساس الهوية ومعيار الانتماء . بات الامام هو القطبية والقضية والمركز الذي تتمحور حوله الحقائق كلها .

--------------------------

من كتاب : الشيعة الامامية بين النص والتاريخ – وجيه قانصو