DELMON POST LOGO

حُسينيات المحرق وجدحفص والشاخورة وسترة؛ تُنافس المنامة في التأسيس - 2

د. محمد حميد السلمان

كنا قد نشرنا هنا سابقاً مقالات عدة موثقة عن حُسينيات المنامة، عاصمة جزر البحرين كافة؛ وعن كيف بدأت فيها الحسينيات (المآتم) وانتشرت حتى غدت من أكثر مناطق البلاد التي تضم أكبر عدد من الحُسينيات، كمبنى مُستقل بذاته للفعاليات الدينية المختلفة في المناسبات كافة. وكنا قد أطلقنا عليها "حُسينيات"، من باب شمولية المكان لكل الفعاليات الحُسينية وغيرها، حتى وإن بُنيت تلك الحُسينيات من سعف النخيل والطين والجص الأبيض بداية الأمر.

وكنا قد أشرنا في الجزء الأول من هذا الموضوع؛ إلى أن هناك حُسينيات، بالرواية فقط دون توافر أية وثائق حولها حالياً، في المنامة وخارجها، قد سبقت العاصمة من حيث التأسيس. وإن كنا نعترف سلفاً؛ بأن التوثيق لإنشاء أية حُسينية، أو لمواكب العزاء، حتى دون وجود حُسينيات لمثلها؛ أمراً ليس في متناول اليد حالياً دون العثور على وثائق جلَّية تُثبت ذلك.

وقد ذكرنا كذلك، بأنه يُلاحظ وجود تنافس شديد جداً بين بعض الحُسينيات في المحرق والشاخورة وجدحفص وسترة، وغيرها من المناطق، من حيث روايات التأسيس، إذ يعود الوضع ببعضها إلى سنوات القرن الثامن عشر الميلادي، أو سنوات مبكرة من القرن التاسع عشر، بحسب روايات بعض الأهالي هنا وهناك.

كما توقفنا عند بعض حُسينيات جزيرة المحرق، وأقدمها رواية من حيث السنوات. مع اعتراض البعض على وجود حُسينيات منذ نهاية القرن الثامن عشر في المحرق أساساً، وهذا مصداق لما أشرنا إليه مراراً وتكراراً؛ بأن معظم الروايات الشفاهية تشوبها بعض الضبابية والنرجسية في ذكر سنوات التأسيس إعتماداً على الذاكرة الشعبية، وكما يقول المثل الشعبي "كلٍ يجر النار صوب قرصه"!!.

فمثلاً حُسينية الحيّاك في المحرق، أي حُسينية عيسى بن أحمد الحايكي، بحسب الرواية الشفاهية؛ ظهر شك كبير في كونها تأسست حوالى عام 1788م؛ على مستوى جزيرة المحرق على الإطلاق، إذ أن مؤسسها قد توفي عام 1892م، وهذا ما وضعتُ أمامه علامة تعجب في المقال ذاته.

وهناك أوقاف وقضايا عديدة حول حُسينية علي بن أحمد الحايكي التي تأسست عام 1848كما هو مدون على بابها اليوم؛ وتعود تلك الأوقاف لشهر نوفمبر عام 1892، ولا مجال هنا لاستعراض كل قضايا تلك الوقفيات التي نتركها لموسوعة الحُسينيات، كما ذكرنا أكثر من مرة.

كما أن هناك العديد من حُسينيات المحرق الرجالية معظمها تأسس في سنوات متفرقة من القرن العشرين لن نقف عندها حالياً، مثل حُسينية البنائين والحيدرية، السيد محمود، الـگراشية، كريمي، الشهابية، وغيرها.

أما بالنسبة إلى جزيرة سترة التي ذُكرت باسمها تارة، في سجل السيد عدنان في الفصلين الخامس والسادس منه؛ أو باسم قراها العديدة في أجزاء تفصيلية منها مثل: واديان، مركوبان، السفالة، الخارجية. كما ذكر السجل الموسوي، بأن "الخارجية" كان من يُنسب إليها يُسمى "الخورجاني"، وكان بها، قبل ظهور السجل بالطبع، حُسينية الشيخ محمدعلي، المتولي للوقف عليها هو أحمد بن الشيخ محمد حسن، والذي أوقف نخل مُعين بسيحة الخارجية، هو الحاج أحمد الهندي الخورجاني.

وهناك ذكر أوقاف عديدة لنخل ومنتوجاتها بسيحة واديان، وحظور سمك بسطوة بحر واديان؛ تعود لحُسينية مهمة كما يبدو في واديان وهي حُسينية (المقام)، مع وجود مسجد باسم المقام كذلك في القرية. وكان مُنتج أمثال تلك الأوقاف؛ للمصروفات طوال عشرة محرم وليس ما بعدها. وكانت بيد أكثر من واقف أحدهما يُلقب بالوادياني. وللأسف لم يحدد السجل سنوات تأسيس أو وجود مثل هذه الحُسينيات في ذاك الزمان. والوضع ذاته عند ذكر قرية "القريّة" بالتشديد كما كُتبت، أي تصغير قرية في جزيرة سترة. فقد أشار السجل لوجود أوقاف عددها يفوق الـ 20، بين أراضي ونخل بسيحة "القريّة"، بالإضافة لحظور أسماك بسطوة بحر القرية، لصالح حُسينية وبعض مساجد المنطقة، لكنها لم تُسجّل إلا في الستينيات من القرن الماضي. كما أن هناك 14 وقف في قرية "مركوبان" بين نخل وحظور في بحرها  تم صرف حاصلها لصالح حُسينية وبعض مساجد في: مركوبان، جدعلي، العكر، واديان، ولبعض علماء الشيعة في البحرين. أضف إلى ذلك نخل في سيحات قرية "السفالة"، لصالح مساجد ومأتم في " السفالة"، ولصالح بعض علماء الشيعة كذلك. كما أن هناك ذكر لحُسينيات السادة وأولاد بن فرحان والمـاگنة في قرية "مهزة".  كما توجد هناك حالة في جزيرة سترة اسمها "حالة جويرب"، وكما أخبرني الأخ جاسم آل عباس، بأنها هي "قويريب" ذاتها، وهي تصغير لكلمة قريب، وتسمى أيضاً "حالة بن فايز"، إذ كان فيها بيت الملا المشهور (علي بن فايز). وأصبحت الحالة اليوم ضمن مساحة قرية "مهزة"، كما يقع فيها مسجد الزهراء حاليا، وغربه مباشرة كان بيت بن فايز الذي لم يعد قائم حالياً. هذه الحالة كان لها عدة أوقاف باسم "تعزية في حالة جويرب".

كما يُظهر السجل بأن هناك أكثر من وقف نخل بسيحة "بربورا" لصالح حُسينية "السفالة" وحُسينية "بربورا"، وعلي بن أحمد، والحاج حسن بن مرهون إنصافاً في في قرية نويدرات، ولمسجد أيضاً في قرية النويدرات. والمتولين عليها كانوا أكثر من شخص، منهم: عبدالله بن علي عصفور، و محمد بن علي آل درباس، ومحمد بن سيد علوي بربوري، وعلي بن أحمد نويدري.

ولسوف نستعرض مثل هذه الأوقاف والحُسينيات التي أوقفت من أجلها ذات يوم في الأجزاء القادمة من هذه السلسلة التوثيقية. فمثلاً قرية نويدرات لوحدها كان بها أكثر من 72 أرض من النخيل أوقفت لصالح عدة جهات من حُسينيات ومساجد وغيرها.

أما بالعودة إلى سماهيج الكبرى، وهي ضمن جزيرة المحرق، التي لم يذكر منها سجل السيد عدنان الموسوي، المعروف باسمه، في الفصل الخامس سوى 3 مناطق رئيسة هي الدير وسماهيج والعراد بين عامي 1927-1929م بحسب أوقافها لا وجودها جغرافياً. فقد ذُكرت لها  أوقاف من عدة سيحات نخل، وحظور أسماك. وهذا يعني أن أمثال معظم تلك الحُسينيات كان موجوداً كمبنى مستقل قبل ظهور سجل السيد عدنان، لكن دون وجود توثيق مُعين لها نعتمد عليه حالياً. ومن تلك الحُسينيات: بن غانم في قرية العراد، كما أن هناك الحُسينية المعروفة عند الأهالي باسم الحاج عباس العرادي. وحُسينية محمد بن علي في السماهيج، كما تحدثنا عنها سابقاً، وأحياناً يُشار إليها بمأتم السماهيج، والمتولي عليها في تلك الحقبة، غالباً كان الحاج علي بن الحاج حسين. كما ذُكر السجل وقف نخل الراهب في قرية الدير لصالح تعزية في مأتم الدير في مصرع الإمام علي بن أبي طالب في شهر رمضان. مع وقف حظرة سمك في سطوة بحر الدير لصالح إصلاح وتعمير مسجد في قرية السماهيج، مما يدل على الإيثار والانفتاح غير المحدود عند الأجداد في مثل هذه الفعاليات والمناسبات الدينية...

وللحديث بقية في الجزء الثالث..

حسينية حاجي عباس العرادي

مواضيع ذات صلة

https://www.delmonpost.com/post/ih017