DELMON POST LOGO

حُسينيات المحرق وجدحفص والشاخورة وسترة؛ تُنافس المنامة في التأسيس- 3

بقلم : د. محمد حميد السلمان

وقفنا في الجزء الثاني من هذه المتابعة لأقدم وأهم بعض حُسينيات جزيرة سترة  مع بعض التفاصيل، اعتماداً على سجل السيد عدنان الذي تم وضعه في نهاية العشرينيات من القرن الماضي.

ونعود لنُكمل الحديث في هذا الجزء مرة أخرى عن أهم حُسينيات جزيرة المحرق، التي لم يتسع البحث السابق لها.

إذ يذكر الراحل د. علي أحمد هلال، في كتابه الخاص عن الدير، نقلاً عن رواية المرحوم عبدالله سيف في كتابه المشهور، المآتم؛ بأن حُسينية محمدعلي بن يوسف، المعروفة بالمأتم الكبير التي تم البدء بها عام 1848 في البيت الكبير لمحمدعلي بن يوسف بن الشيخ داوود بن عيسى الأوالي الجزيري (نسبة إلى جزيرة أُكُل أو النبيه صالح)؛ قرأ فيها الملا علي بن حسين أو حسن بن سلمان بن عبدالله بن الحجي الأحسائي، المعروف اختصاراً بملا بن فايز؛ أواخر القرن التاسع عشر، بعد أن قَدِم من الأحساء مع جماعة من الفلاحين الأحسائيين المشهورين بالعمل في المزارع بهمة ونشاط وانجاز لافت؛ للعمل فلاحاً خصيصاً لدي محمدعلي بن يوسف مؤسس أشهر حُسينية في الدير. وكانت لهذ التاجر البحريني العديد من العقارات والبساتين في الدير وسماهيج. وبما أن بن فايز كان يتقن القراءة والكتابة بحسب عِلم ذاك الزمان؛ فقد كلفه التاجر محمدعلي الديري بقراءة الحديث من الفخري في الحُسينية التي أسسها قبل صعود الخطيب المُكلف بالمجلس الحُسيني مِنبر الحُسينية. وفي الوقت ذاته، كان بن فايز مولعاً بترديد بعض المراثي الحُسينية من كتاب الفخري الذي يقرأ منه في تلك الحُسينية كل ليلة في عشرة محرم. وبما أن صوته كان عذباً وبه كاريزما خاصة تشُد المستمع؛ فقد غدا له شهرة في حفظ الشعر وتأليفه، وفي مساعدة الخطباء في حسينية الدير (المأتم الكبير)، ضمن مجالس مأساة كربلاء في اليوم العاشر من محرم، وفي مناسبة وفاة الرسول الأعظم وبقية أئمة آل البيت (ع). وتطورت ممارسته حتى تبوأ منزلة كبار الخطباء في هذا الصدد.

وبما أن مرتادي الحُسينية كانوا يتفاعلون مع صوت الملا بن فايز؛ فقد رأى مؤسس الحُسينية، محمدعلي بن يوسف، بأن يحول بن فايز من مهنة الفلاحة إلى الخطابة على منبر هذه الحُسينية. (مع ملاحظة أننا لا نعلم متى تم ذلك وفقاً لهذه الرواية). بل ويُضيف رواية أخرى نقلاً عن غيره، بأن بن فايز نشأ في الدير وامتهن الفلاحة في سترة. ويقول بأنه توفي بمرض السوداء عام 1330 هـ ودُفن في سند (أو بالأصح في منطقة الناصفة وهي بين سند وجرداب).

بينما يذكر الباحث السيد هاشم بن السيد محمد الشخص من المنطقة الشرقية، صاحب كتاب ثُلاثية أعلام هجر، في بحث خاص بمجلة (تُراثنا) التي تصدر عن مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، السنة السابعة والعشرون، 1432هـ، العددان 105-106؛ بعنوان (الملا علي بن فايز رائد الرثاء الحُسيني الخالد 1245-1322هـ)؛ بأن الملا علي بن فايز توفي عام 1322هـ!! وأن أسرته من (آل الحَجَّي)  ليس لها علاقة بالفلاحة، بل يغلب على معظم أفرادها امتهان حياكة العباءة الرجالية (أو البشت في المصطلح العامي). وحدثت لتلك الأُسرة هجرات إلى الخارج في حقب مختلفة من الزمان، إلى العراق، وتحديداً البصرة والزبير، وإلى الكويت، بالإضافة إلى مدن أخرى في شبه الجزيرة العربية. وتلتقي أسرة (آل الحَجَّي)  التي ينتمي إليها بن فايز مع عديد من الأسر الأحسائية المعروفة. وأنه نشأ وترعرع في الأحساء في حي الرفعة الشمالية بمدينة الهفوف، وكان يمتهن حياكة العبي الرجالية لتأمين حياته المعيشية مع اخته فاطمة التي لا زمت أخيها بشكل أكبر من غيرها، إذ كانت تحت رعايته الخاصة. وبما أنه كان يمتلك صوتاً شجياً وعذباً، وكان يُجيد سرد بعض القصص التاريخية بطريقة مُثيرة وجذابة؛ فقد ساعده ذلك على أن يقوم بالقاء بعض الأناشيد والأهازيج في الأعراس وبعض المناسبات، ومن هنا بدأت شهرته في الأحساء. وكان ذلك في عصر حكم العثمانيين للمنطقة الشرقية في القرن التاسع عشر، فأعجب بعض المسؤولين العسكريين العثمانيين بصوته والقاءه، وطلبوا منه الحضور عندهم وانشادهم ببعض القصائد بصوته العذب. فغدا بن فايز مثل الموظف لدى هؤلاء المسؤولين العثمانيين. وبعد مدة طويلة تم نقل أفراد الحامية العثمانية التي كان ينشد بن فايز لمسؤوليها بعض الأشعار ويُسمعهم عدداً من الأهازيج، إلى منطقة القطيف. فطلبوا من بن فايز الانتقال معهم إلى القطيف كذلك لعشقهم لصوته الشجي. فاعتذر لهم، كما يقول صاحب البحث، بسبب حرصه على رعاية أخته. لكنهم ولشدة تعلقهم به؛ دبروا مرتباً شهرياً لأخته طيلة وجوده معهم، فقبِل بعد مشاورتها في ذلك.

وفي القطيف وبالمصادفة استمع حاكمها آنذاك من قِبل العثمانيين، منصور باشا بن جمعة، لصوت بن فايز- وعائلة بن جمعة من المعروفين في سلك التعليم بجزر البحرين جيداً- فأُعجب منصور باشا بن جمعة بصوت بن فايز، وبناءً عليه، طلب من العثمانيين أن يستضيفه في مجلسه فسمحوا له. وهناك عند منصور بن جمعة، تحولت حياة علي بن فايز ، إذ طلبه لأن يكون خطيباً في مجالس أبي عبدالله الحسين (ع)، قائلاً له إن صوته الجميل العذب لا ينبغي أن يكون إلا لخدمة مجالس التعزية لأهل البيت. وغدا منصور بن جمعه داعمه ومُشجعه الأول في هذا الطريق، وهو من أطلق عليه لقب الملا علي بن فايز فقط، خصوصاً بعد أن قرأ:

نوحي على الأولاد يا زهرة الحزينة    نوح الحمام أو حشَّمي أهل المدينة

ولا نريد هنا الاسترسال في موضوع حياة الملا بن فايز فليس هذا مقصدنا؛ لكن فقط أوردنا هذا الأمر ببعض التفصيل لفتح مجال المقارنة في موضوع الحُسينيات بين ما يذكره بعض كُتاب ورواة من البحرين عن بن فايز وخطابه في مجالس التعزية بها، وبين ما ذكره بعض كُتاب من المنطقة الشرقية وهم أدرى بشعابها وأهلها. أي، بناءً على هذا البحث، ما جاء بن فايز إلى البحرين صغيراً مع بعض الفلاحين طلباً للرزق في فلاحة الأرض؛ بل بعد أن ذاعت شهرته كخطيب رثاء حُسيني ممتاز في القطيف؛ طلب منه بعض أهل البحرين ( ولا نعلم من هم؟!)، السفر إليها ليكون خطيباً في بعض مجالس التعزية بها، ولربما كان ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي والله أعلم. إلا أن الباحث د. سالم النويدري يذكر في كتابه إعلام الثقافة، ط 1 لعام 1992م، ج 3، ص 490؛ بأن بن فايز أشهر شاعر شعبي عرفته البحرين في القرن الثالث عشر الهجري وما بعده (أي التاسع عشر الميلادي). وخلاصة القول، أن بن فايز جاء إلى البحرين، وبشكل سريع غدا خطيباً مفوهاً بعد أن صار يستخدم اللهجة الشعبية البحرانية في شعره مثل هذه الأبيات:

يا بدر آل المصطفي عجل بلظهور      عجل ترى الدنيا امتلت بالظلم والجور

عجل ولا تنسى غريب الغاضرية           والجثة اللي رضرضتها الأعوجية

والسيدة ([أي زينب] اللي دخلت المجلس هدية مجلس يزيد بن الخنا شرَّاب الخمور

فذاع صيته هنا، وهذا ما حدا به أن يستقرَ في البحرين، وتزوج من قرية (سند) وأقام بها، مع أن معظم سكنه كان في جزيرة ستره، لكنه توفي في قرية (سند) عام 1322(بين عامي 1904-1905م)، وقبره معروف اليوم في مقبرة الناصفة التي كانت جزءاً من سند فيما سبق، وحدثت بها معركة حربية مشهورة بين نخيلها، ذكرها صاحب التحفة النبهانية يُمكن الرجوع إليها.

وبالعودة لإكمال تغطية أهم حُسينيات الدير بجزيرة المحرق، نذكر حُسينية المطوع التي يُقال في الدير؛ بأنها ثالث حُسينية تم أنشائها بعد حُسينيتي الغربي والشمالي، وبما أنها في حوالى عام 1950 كبقية الحُسينيات الحديثة، فلن نقف عندها الآن ريثما نطوف ببقية الحُسينيات التي أقيمت قبل هذا التاريخ.

فقط ننهي هذا التطواف بشكل سريع بذكر حُسينيات النساء في الدير فهي عديدة ومعظمها تأسست في البيوت أو على أنقاض مأتم كان للرجال، وبعضها عليها لوحات بالعنوان، وآخرى بدون، وبعضها حديث الوجود، من أهمها: نرجس أم الإمام الحجة بن الحسن (عج)، أم البنين، الإمام الحسين (ع)، سيد سلمان، السيف، خديجة بنت إبراهيم، الحاجية أم عبدالحسين، بيت الصقر، بيت الشريفة، بيت أبي أحمد، بيت علي بن طاهر، بيت الزين، بيت حجي عبد الرضا، الزينبيات، بيت حجي مكي، بنات أم عون، سيد علي، بيت السادة. العقيلة، بيت حجي طرار (وتُسمَّى حُسينية سلامة سلوم)، بيت سيد شبر، بيت أم محمد العرادية، أم منير، بنات الغيص، الزهراء، بيت حجي مكي، بيت أحمد بن داود، بيت حجي سلمان، مريوم، سيد شبر، بيت سيد علي، بيت فطَّام بنت هلال، بيت اليكة، وغيرها.

أما في سماهيج: فهناك، بحسب سجل السيد عدنان، حوالى  15 وقف بين نخيل وحظور بحرية لصالح حُسينية علي بن حسين النواخذة في السماهيج، وقد تحدثنا عنها سابقاً، ويُشار إليها بمأتم السماهيج الكبير، الذي تأسس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد، ويبدو بأنها كانت من أشهر حُسينيات المنطقة، فلم تُذكر أوقاف لغيرها في سجل السيد عدنان. كذلك في قرية سماهيج، كغيرها، هناك عديد من حُسينيات النساء، بعضها عليها لوحات بالعنوان، وآخرى بدون، وبعضها قديم أو حديث الوجود، من أهمها: الزهراء، عبد الله أحمد المطوع، الفاطميات، الشريفة، يوسف بن أحمد بن حبيب، أم يوسف، مكية، سكينة بنت حبيب ناصر، الإمام الحسين، إبن الشيخ، بيت صفوان، حجي جعفر، السيدة رباب، سيد علي، أبو نصيب، زهرة سيد حميد، شمسان، أولاد حسن، السيدة منسية، وغيرها.

أما في عراد، فهناك أيضاً العديد من حُسينيات النساء منها: حجي علي الحجي، أهل البيت (يُطلق عليه السبطين كذلك)، عبدالله بن حسن مُفتاح، حجي محمد بن علي العرادي، علي عبدالنبي العرادي (أو محمد المختار)، كلثم بنت محمد العرادي، محمد حسن الغنامي، القائم (عج)، وغيرها.

وللبحث تتمة قادمة.....