DELMON POST LOGO

محاكاة اللحن للنص والمسافة بين الوصل والوصف

د. عصام الجودر - البحرين

إن العلاقة بين اللحن والنص متقاطعة ومتجذرة إلى حدّ التوحد، وهي قديمة ب  قدم الإنسان الأول وقَدَ ر ه في ضرورة التعبير عن ذاته وما تحمله من مشاعر وأحاسيس وأحلام وآمال،  وكذلك عن مجتمعه الذي نشأ في وسطه،  وفقاً لزمان ه  ومكانه أو بيئته الحاضنة. وهي علاقة جدلية يجمعها التداخل  والتشابك وأيضاً الحميمية، لينتج عنهما مولود جديد يسمى الأغنية.

وتميل شواهد تاريخ الموسيقى إلى ترجيح أسبقية ممارسة الغناء عن الموسيقى، فلقد" ارتبطت الموسيقى اليونانية منذ البداية ارتباطاً وثيقاً بالشعر". جرت الأعراف في شأن الأغنية أن تسبق الكلمة النغمة، أو النص اللحن، وإن كانت هناك حالات أقل سمحت  بتغي ير هذه التراتبية الزمنية عند إبداع فن الأغنية، بأن  يسبق اللحن النص . ولطالما سعى المُبدع الموسيقي – بحكم دوره المتأخر عن الشاعر – أن يعُ  برّ عن النص من خلال اللحن عبر توظيف موهبته وحسه وذوقه وثقافته وأيضاً خبرته التي راكمها طوال ممارست ه الموسيقية.

ومع ذلك فإنه من الصعب في حالات كثيرة أن نلحظ قدراً واضحاً من التعبير الموسيقي لأعمال غنائية برغم نجاحها إبداعياً وربما جماهيرياً، كما أنه حتى في الحالات التي نتفق بدرجةٍ ما على نجاح اللحن في هذا المنحى، إلاّ أننا لا يمكن أن نعتبر ذلك تجسيداً للنص أو إنعكاساً له بل مُجرد  تصوير يَقت رَحه المُب دع الموسيقي بحسب خياله عند محاولته في أن يربط موسيقى الأغنية  ودورها في التعبير عن النص أو محاكاته   بشيء حسي ندركه جميعاً دون أد نى شكوك، قد تتصل بشكلٍ أو بآخر بمضامين القصيدة، خاص ةً أن بعض النصوص – وهي قليلة في حقل الأغاني – تحتمل أكثر من معنى أو تفسير أو تصور.  

وقد تتقاطع كلمة الوصف في بعض الجوانب مع "التعبير"، "فالوصف هو وسيلة من وسائل التعبير في اللغة، وهي التي يحاول فيها المتكلم التعبير عن ملامح وصفات الشيء بطريقة فنية" . والوصف – أيضاً – هو شكل من أشكال التشبيه أو التمثيل ،"فالعلاقة بين الوصف والتشبيه وثيقة العرى ))فالوصف مناسب للتشبيه مشتمل عليه وليس به((.إلاً أننا قد نميل أكثر إلى كلمة يرمز للإشارة إلى معنى مقترح في النص قد استشعره الملحن، أكثر مصداقية من أن أستخدم كلمة يعُبر عن النص، والرمز هو إشارة إلى دلالة محددة تقترب من الذاكرة الإنسانية وما تحمله من ثقافة ومعارف.  والقصد هو أن نقول أن اللحن يرمز إلى معنى مُعين وليس أن يعُ برَ عنه، على إعتبار أن أهم دور للموسيقى هي وصل القصيدة بإيحائاتها في قالب غنائي لا نثري. ونقصد بالنثري هنا الإلقاء التقليدي للشعر أو النشر الورقي والإلكتروني.

 سنتناول هنا دور الموسيقي المُبدع الذي قامَ بتلحين بعض القصائد عاميةً كانت أم فصحى وحاول أن  يَر مز بأنغام اللحن عن معاني كلمات القصيدة التي حملتها الأبيات، ولن نبحث هنا موضوع التعبير – أو الترميز كما تبنيناه – في الأعمال الموسيقية المُجردة أو البحتة. وعندما نقول معاني فمن الأفضل هنا أن نوضح الفروق في ال تعبير الموسيقي للكلمة الواحدة، وسنركز هنا على م وضوع الإشارة أو ال ترميز اللحني للكلمة ودلالتها أو معناها من الناحية الفيزيائية – على وجه التحديد - كالبعد والقرب والطول والقصر وال كبرَ وال صغَر، أو كصفة القوة والضعف.    

وسنختبر نماذج من الأعمال الغنائية العربية التي حالفها الحظ بركب موجة التسجيل منذُ بدايات القرن العشرين وخلال ه ، أي منذُ عهد سيد درويش ثم جيل محمد القصبجي ومحمد عبدالوهاب ورياض السنباطي وغيرهم، بالإضافة إلى تجربة الأخوين الرحباني المهمة في لبنان .

قدرة الموسيقى على التعبير:-

لا بدُّ في البداية من التعرف على رأي الكثير من الباحثين وعلماء الموسيقى الذين يرون أنه بإستطاعة فن الموسيقى من أن يؤثر على الإنسان ويحرك مشاعره وأحاسيسه بإتجاه عاطفي معين سواء كانت مشاعر سلبية مثل إثارة الحزن أو الخوف أو القلق، أو إيجاب ية كإشعال الفرح والسرور والإنطلاق والأمل.  

وعادةً ما يتجلى ذلك – أحياناً – في لغة جسد المتلقي للموسيقى ،ومن مظاهر ذلك تحريك الجسد إما بحركات الرقص، أو بإيماءة جزء من الجسم غالباً ما يكون الرأس بما يتفق مع إيقاع الموسيقى أو الأغنية.

أما بالنسبة للمظاهر السلبية فتتبدى في الوجوم أو الإنقباض والترقب. ولا يمُكن أن نغفل أ نه في معظم حالات التفاعل الجسدي مع الموسيقى سواء كان بالرقص، أو بهز الرأس، هو عبارة عن شكل من أشكال إنسجام المتلقي مع الموسيقى دون النص بل مع إيقاع الأغنية فحسب، خاصة ً إذا كان حيو ي اً  وذي سرعة تزيد عن المتوسط.  

ومع ذلك فقد جانب الصواب بعض الدارسين في بحثهم لموضوع التعبير الموسيقي وعلاقته بتذوق وإدراك المتلقي الصواب عند خلطهم بين معنيي الأحاسيس والمشاعر، إما بتقريب معنييهما إلى حد الترادف في بعض الأحيان، أو على أقل تقدير التغافل أو الإهمال عند توضيح وشرح مع نيي المصطلحين بشكل علمي ودقيق. فالأحاسيس emotions هي حالة فيزيائية تظهر إستجابةً  لمُحّفز خارجي، وتكون أعراضها بارزة وواضحة وممكن ملاحظتها في سلوك معين للإنسان، وهي تسبق المشاعر feelings، وهذه الأخيرة عبارة عن شعور ذهني يرتبط كرد فعل بالأحاسيس و منَ الوارد إخفائها.

من جانب آخر فإن هناك الكثير من علماء الموسيقى وعلماء النفس يختلفون حول قدرة الموسيقى في التعبير عن ما يدركه عقل الإنسان وما يعتمده من معلومات عن طريق حواسه الخمس، فمنهم من يعتبر أن الموسيقى لها خصائص تعبيرية سواء المجردة منها أو الغنائية، ومنهم من يقُلل من قدرة الموسيقى على التعبير عن شيٍ محسوس، حيثُ يقول إيجور سترافنسكي "إني أرى أن طبيعة الموسيقى – في الأساس – غير قادرة على التعبير عن أي شيءٍ على الإطلاق، سواء كان ذلك عن المشاعر، أو موقف ذهني، أو إنطباع نفسي، أو ظاهرة طبيعية .. الخ. لم يكن التعبير قط كأحد عناصر الموسيقى"، لذا فهو يرى أنه من الخطأ  ربطها – الموسيقى – بما نراه أو نسمعه أو نشعر به.

أما إريك ساتي فكان رفضه وعدم قناعته بقدرة الموسيقى على التعبير أكثر وضوحاً وصراحةً، وقد بَيَّنَ موقفَهُ بتسميته لبعض أعماله بطريقة ساخرة وتهكمية من بعض الرومانتيكيين الموسيقيين عند تسمية أعمالهم الموسيقية ظناً منهم بأن العنوان يعّبر عن الموسيقى، لذا فقد أعطى عناوين غريبة وغير منطقية لبعض أعماله إمعاناً في هذه السخرية "مثل )خمس تكشيرات( و )مقطوعات باردة( و )مقطوعات على شكل كمثرى(".

الجدير بالذكر أن من أكثر العصور الموسيقية التي سوّقَت  ومجدّت لقابلية التعبير في الموسيقى هو العصر الرومانتيكي.  

إلاّ انه في حقل الأغنية قد يختلف الموضوع، فالموسيقى ليست منفردة أو مستقلة، بل مرتبطة بنص غالباً ما يكون قد سبقها في الظهور، ويتحتم – هنا – على الموسيقى أن تنسج علاقة ومحاكاة للنص، لتتحد وتخرج كفن غنائي، إن كان أغنية أو أوبرا أو أوبريت أو غيره من القوالب الغنائية.  

المسافة بين إدراك الموسيقى وتذوقها ومكانة التعبير الموسيقي بينهما:-  

لا شكّ أن هناك تداخلاً وتفاعلاً بين جانبي التذوق الموسيقي من جهة والتعبير الموسيقي الذي أبدعه المؤلف في العمل من جهة أخرى ،ففي معظم الحالات تكون هناك ما يُشبه العلاقة الطردية بين المنتج الفني – أغنية كانت أو موسيقى – وبين المتلقي المتذوق .ويؤثر قدر ثقافة المتلقي الذوقية للأغنية ونوعها وظرف استقبالها  بشكلٍ  مُباشر في رسم طريقة وأسلوب تلقي العمل  والتفاعل معه والإستمتاع به.

ومن مظاهر إستجابة المتلقي/المستمع هو "الشعور بالإيقاع والإنتباه إلى اللحن والقالب Form".وإن كان هناك – ربما – عوامل أخُرى تساهم في هذا التأثير مثل عمر المتلقي/المتذوق وجنسه وبيئته والزمن الذي يعيش فيه، ومزاجه في وقت إستماعه للعمل. ومن أهم الإستجابات الفسيولوج ية الشائعة "تنشيط للجهاز العصبي، يتمثل في زيادة ضربات القلب وضغط الدم ودرجة التنفس وشد العضلات وإنخفاض في حرارة الجلد".  

وربما ترُ  جّح الأبحاث التي درست طُرق إستجابة المتلقي للموسيقى إمكانية الأخيرة   وقدرتها على التعبير ،وخصوص اً عندما ترتبط بالكلمة.

الترميز الموسيقي عن فيزياء المعنى:-

إن من أبرز النماذج شيوعاً في ال ترميز اللحني هو ما يرتبط  بالجانب الفيزيائي للمعنى ،كالطول والقصر والبعد والقرب والأعلى والأنزل والصعود  ثم الهبوط.. الخ .وتزخر الأغنية العربية  بتجارب عديدة نجح فيها الملحن وبيقظة منه، وحسن تقدير، وربما في حالات معينة  بشكلٍ فطري وعفوي، بأن يكُ  يّف اللحن مع الكلمة بشكلٍ يراه البعض تعبيري ونميل لوصفه ترميز بما يخدم النص ويثريه .

التعبير عن الطول )فيزياء الزمن(:  

نلاحظ في أغنية "أنا لك على طول" كيف كانت كلمة "طول" قد مَدَّها الملحن بدرجة أطول زمني اً، كمحاولة للتعبير عنها لحني اً. وفي أغنية "لما أنت ناوي"  مقطع ".. تغيب على طووووول"، فهنا تم مدّ الكلمة بما يعكس مدى الطول الزمني الذي سيغيبه المحبوب عن حبيبه.  

أما أغنية "نطرونا كتير" فهنا تم معال جة الكلمة "كتير" بمدّها زمنياً للتعبير عن طول الإنتظار  ومرار ته و قسوته. تعَُدّ  أغنية محمد عبدالوهاب "في الليل لما خلي" تحُفَة فنية تزخر بالتعابير اللحنية عن النص، ونلحظ فيها كيف عبرَّ الملحن عن "ليل ما لوش آخر" عندما أطالَ  اللحن زمنياً وزخرفه نغمياً، للتعبير عن أن ليلَ  هذا الشاعر أو الملحن أو المغني طويل ليس له آخر .إنه ثراء التعبير الموسيقي عن العبارات في القصائد، الذي تميزَّ فيها عبدالوهاب وبرزت أكثر في العقود الأولى من تجربته في اللح نية والغنائية.

كذلك كان للقصر الزمني دوره في التعبير عن "المعنى" ففي أغنية "في شي عم بيصير" كما يتبين في المقطع "ليش بيضلّو إحساسي يقليّ لا"، ففي حرف "لا" هناك قطع زمني قصير، يعبر عن النفي وقطع أي أمل يحمله الحبيب فهناك شيءٌ يحدُث أو يصير لا يعلمهُ. وأيضاً في أغنية "حبيتك في الصيف"، في مقطع "نطرتك بالصيف" يحدث إنقطاع زمني في الغناء، وكأنه تلميح للإنتظار، ويحدث ذلك في إنتظار الشتاء من الأغنية نفسها. الجدير بالذكر أن المقطع الأسبق في هذا المذهب وهو "وتنطر ع الطريق" لم يتم التعبير عن الإنتظار هنا بشكلٍ مُباشر، وإنما الإنتظار تمّ بمدَ كلمة "الطريق"، وهي عملية طبيعية لا يمكن أن يقوم الملحن بترجمة معاني جميع الكلمات بشكلٍ مباشر وإنما قد يذهب للتعبير عن العبارة بأكملها أي الإنتظار على الطريق.  

التعبير عن الصعود والهبوط )فيزياء الصوت(:

عادةً ما يسعى الملحن للتعبير عن الصعود أو الهبوط بتوظيف تراتبية نغمات الس لَّم الموسيقي وليس عنصر الزمن .ونقصد بالصعود هنا هو الإتجاه اللحني من الطبقة الغليظة إلى الطبقة الحادة، أما الهبوط فتكون العملية عكسية أي سير اللحن من النغمات الحادّة إلى النغمات الغليظة.  

)الصعود(

في أغنية "على باب مصر" وهي من الأغاني النادرة التي أد تهّا السيدة أم كلثوم بمشاركة كورس رجالي وبقيادة أندريه رايدر، يعلو اللحن صعوداً مع مقطع "ويعلو الضجيج"، حيثُ تمَّ  تكرار كلمة "يعلو" ثلاث مرات وفي كل مرة تكون في نغمة أعلى من التي قبلها .أما في أغنية "على درج الحلوين" فالإيحاء بالدرج كان عن طريق صعود اللحن سُلمَّيَّاً وبشكلٍ صريح. أو في أغنية "طلع القمر" فاللحن يصعد للأعلى، وإن كان بمستوى نغمة واحدة فقط ،لتمييز كلمة طلوع القمر. أما أغنية "زي العسل"، ففي مقطع "لو جابوا القمر من العالي" يضع بليغ حمدي كلمة "العالي" في أعلى هرم الجملة اللحنية، بل وفي كامل اللحن، وبشكلٍ صريح وساطع كالقمر. من ناحية أخرى نلاحظ في مقطع "في البعد عشقاه .. وفي القرب عشقاه"، لا يوجد تمثيل لحني بيّن بين البعد والقرب، وربما ذلك جاء مقصود أو عفوي، إلاّ أنه  موفق ويُب يّن أنّه لا فرق لدى الحبيبة إن كان حبيبها قريباً أو بعيداً، فهو محفور في قلبها ولا يوجد شيء من الممكن أن "يفرقهم ولو ليلة .. فقصتهم هذه طويلة." ويُحيلنا هذا النموذج إلى أغنية أخرى لوردة الجزائرية في أغنية "بتونس بيك" ففي مقطع "لما تقرب .. أنا بتونس بيك / ولما بتبعد أنا بتونس بيك"، فهذين الشطر ين واللذان يحملان القرب والبعد قد تم تلحينهما بالعبارة اللحنية نفسها.

لطالما كان للطير والإيحاء بالطيران مكاناً في كثير من الأغاني العربية، ومنها أغنية "بتلوموني ليه"، فكمال الطويل يعببّر عن كلمة "يطير" في مقطع "ع الخدود يهفهف ويرجع يطير" بتوجيه مسار اللحن نحو الأعلى أي النغمات الحادّة، وعندها نرى كيف يُحلق اللحن في العلالي بحرية وإنطلاق. وفي أغنية "بوست القمر"، في مقطع "أنا قلبي طار م الشوق إليك ،"يطير اللحن نحو نغماته الحادّة، بل وحتى في المقطع الذي تلاه، "راح للنجوم" فإن النجوم تكون أكثر  حدّة من الجزء الباقي من العبارة "يسأل عليك.  

)الهبوط(

يعتبر سيد درويش رائد في التعبير اللحني عن المعنى، ومن بعض ألحانه دور"أنا هويت وانتهيت" يلُّحن درويش هنا كلمة "انتهيت" بشكل سلمي هابط نحو النغمات الغليظة ،كناية عن الإنتهاء. كذلك الأمر في أغنية "ضيَّ عت مستقبل حياتي"فالضياع – هنا – يتمثل في السقوط النغمي من الأعلى أو الحاد إلى النغمات الغليظة .ومن الأعمال الغنائية الخالدة أغنية الأطلال في مقطع "كان صرحاً من خيالٍ .. ف هوى"، كيف يهوي اللحن هبوطاً وإن كان بمسافة صغيرة لا تتعدى الثانية أي الإنتقال من نغمة إلى النغمة الأقرب لها. أما في أغنية "حبيبي بدو القمر" فاللحن يهبط سلميّاً مع مقطع "وينزل القمر".

يتجلى تصوير البعد والقرب لحنياً في أغنية "القريب منك بعيد" ، أن تكون بعيد في شكل خلية لحنية صاعدة، بينما "قريب" تكون هابطة وأقرب لنغمة أساس السلم. والبعد في كثير من الأحيان لا يعُبرَّ عنه فقط بالصعود السلمي للحن، ولكن أيضاً بالإتجاه للأعلى للنغمات الحادّ ة أي بإتجاه عكسي، وهي الحالة التي يكون فيها اللحن بعيداً عن نغمة الأساس التي تتموضع في المنطقة الغليظة بما يسُمّى بالقرار.  

)صعود وهبوط(

من أكثر التجارب تعبيراً وإنتشاراً وربما من أقدمها والتي تجمع بين مسار لحني صاعد ونقيضه مسار لحني هابط بحسب ما تتطلبه كلمات النص ،أغنية للفنان سيد درويش في لحن الإنتهازيين "علشان ما نعلى ونعلى ونعلى .. لازم نطاطي نطاطي نطاطي"، فاللحن هنا يتجه صعوداً في الشطر الأول ليرمز للإتجاه للأعلى، ثم ينزل هبوطاً في الشطر الثاني. وإن كان المقصود هنا بكلمة "نعلى" هو الترقي لمرتبة أعلى إجتماعياً ووظيفياً، و "نطاطي" بمعنى الخنوع والخضوع وأيضاً الرضوخ، طمعاً في رضى الأكبر مكانة وربما الأغنى والأكثر وجاهة.  

تعُتبر ترتيلة "قدّوس" و بالأداء الرائع لوديع الصافي ،من أبرز الأغاني التي عبَّرَت بشكلٍ مجازي بتوظيف التباين بين النغمات الحادّة والنغمات الغليظة في جملة لحنية مشتركة، حيثُ في مقطع "السماء والأرض" يغني "السماء" من المنطقة الحادة بل ويصعد لما هو أكثر  حدَّة، ثم ينزل وبشكلٍ سلس واحترافي لتصوير "الأرض" في المنطقة الغليظة.

في المقابل هناك أغاني تجاهلت التعبير المباشر لهذا النوع من الكلمات، ولم توُليها الإهتمام المناسب لل ترميز عنها لحنياً، وإن استطاعات هذه الأغاني أن تحقق نجاحاً جماهيرياً. ومن هذه الأغان "علشانك يا قمر" في مقطع  "أطلع لك القمر" ففي هذا المقطع تم غناء العبارة على نغمة واحدة تتكرر مع التقطيع العروضي ،ثم يهبط اللحن درجة بدلاً من أن يطلع، مما أسبغها شكلاً رتيباً  ويفتقد إلى التعبير. وأغنية "موعود" عند مقطع "القمر طلع"، يهبط اللحن بدلاً من أن يطلع. وفي أغنية "ياللي انت بعيد"، لا نجد تصويراً للبعد، إذ أن اللحن يحوم في منطقة محدودة من النغمات في المنطقة السفلى من السلم الموسيقي. كذلك أغنية "مال القمر ماله" عندما يتربع القمر على نغمات لا توحي بالعلو ولا يتميز – القمر – عن الكلمات الأخرى في الأغنية من حيث تراتبية النغمات .

خاتمة:-

هناك الكثير من الملحنين دأبوا على مراعاة تميز بعض الكلمات وبالدرجة الأولى تلك المرتبطة بالفيزياء كالطول والقصر والبعد والقرب والعلو والإنخفاض وإمكانية التعبير عنها لحنياً، في حين أنه  – لا شكّ – هناك العديد من الكلمات التي قد يصعب التعبير عنها. ونلاحظ أن هذه الكلمات تقُاس و تشُخص تبعاً لسياق اللحن، وعادةً ما يكون ذلك بمقارنة المَ دّ اللحني مع ما سبقه من جمل أو عبارات لحنية، أي أنَّ التطويل كما ذكرنا من أمثلة يبرز في مدّ كلمة أكثر مما سبقها في اللحن ويندرج الأمر على التقصير. كذلك عندما يتعلق الموضوع  بالتعبير عن الأعلى يتمثل في أن تكون الكلمة المستهدفة أكثر  حدَّة مما سبقتها من نغمات وأيضاً مما يلحقها.

إذن العملية نسبية تقُاس ضمن سياق الجملة اللحنية.

إنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى إنه في كثير من الأحيان لا يتعمد فيها المبدع الملحن التعبير عن الكلمة أو النص موسيقيا ً بشكلٍ مخطط له مُسبَقاً، بل إن الأرجح هو أن تتجلى العملية الإبداعية بشكلٍ تلقائي وعفوي. إلاّ أن ذلك يتطلب مهارة وموهبة وخبرة تتشكل وتتبلور وتتطور عبر الممارسة المستمرة في تجربة الملحن.

هناك جوانب تعبيرية أخُرى استطاع الكثير من الملحنين المبدعين أن يخطُّوها في أغانيهم برهافة حس وخبرة ومقدرة وثقافة، إلاّ أنَّ هذه المقالة ركزت على الجانب الفيزيائي في التعبير ،والتي  تمثلَّت في الطول والقصر والعالي والمنخفض والبعيد والقريب. إن الملحن الناجح هو الذي يستطيع أن يُو صل النص من خلال الموسيقى، مع مراعاته لخصوصية الكلمات وإمكانية التعبير عنها لحنيّاً ضمن سياق العمل، دون أي افتعال وبما لا ي خُلّ بمضمون القصيدة أو روحها .وقد يكون دور الموسيقى مساعداً لإيصال النص إلى المتلقي في قالب غنائي، وليس من وظائفها وصف النص.

-----------

 نشرت في مجلة البحرين الثقافية  العدد الأخير  يناير  2024