DELMON POST LOGO

السعودية وصلابة الموقف العربي ...

بقلم محمد حسن العرادي - البحربن

في المفترقات تبرز المواقف الحاسمة، وتتجلى الصورة بين من يطلق الأقوال ومن يقود الأفعال، وخلال السنوات الماضية تعرضت المملكة العربية السعودية لضغوط هائلة من أجل الانخراط في مشاريع التطبيع مع العدو الصهيوني، لكنها ناورت وحاورت ومررت الوقت دون أن تدخل إلى بيت الطاعة الأمريكي، أكثر من رئيس للولايات المتحدة منى نفسه بتحقيق الانجاز الأكبر ليضمن تأييد اللوبي الصهيوني المسيطر على تلابيب القرار الأمريكي.

لكن الرياض العصية على الانقياد، مارست سياسةٍ كيّسةٍ ودبلوماسية ذكية، فتجاوزت المطبات وقطعت الوقت وهي تتمسك بموقفها الثابت الرافض للتطبيع دون ثمن مناسب، أصرت القيادة السعودية أن يكون الاعتراف بحل الدولتين الذي أقرته المبادرة العربية في قمة بيروت 2002، ورغم أن هذا السقف كان أقل من المستوى المقبول من قبل غالبية الفلسطينيين وربما غالبية العرب والمسلمين، إلا أنه سمح للسعودية بعدم الانسياق في مسارات التطبيع التي اجتاحت المنطقة العربية حتى غدت مبرراً لعدد من الدول الاسلامية وغيرها لعقد الصفقات مع الصهاينة.

وبينما إنخرطت دول عربية وخليجية وازنة في المخطط الأمريكي الرامي إلى جعل العالم العربي والساحة الخليجية مرتعاً للعربدة الصهيونية، كانت السعودية تُدور الزوايا وترُد وتصد الهجمات الصهيونية بثقة وثبات، غير عابئة أو متأثرة بهذه الضغوط، وتحملت في سبيل هذا الموقف الكثير من الاتهامات واللمز والغمز من قبل الأشقاء والأصدقاء فضلاً عن الأعداء والمتربصين، موقف احتارت فيه الكثير من الجهات التي كانت تعتقد بأن انخراط السعوية في الاتفاقيات الإبراهيمية بات من المسلمات.

نجحت الدبلوماسية السعودية في إعادة رسم المشهد، وإستقبلت الرياض كبار المسؤولين الأمريكيين بكل ثقة وصلابة، حاورتهم دون وجل واستعجال، عرفت بأنها درة التاج العربي وأن توقيعها سيكون الجدار الأخير حتى لا ينهار كل شيء، فتصلبت في موقفها رغم الابتسامات التي كان يوزعها دبلوماسييها وكبار مسؤوليها في كافة المحافل، فازدادت حيرة الأمريكان، الذين كانوا يبشرون اللوبيات الصهيونية بإكتمال المشهد، وأن التطبيع مع السعودية تحصيل حاصل.

لقد ذهب العديد من الرؤساء الأمريكان إلى متاحف التاريخ دون أن يتمكنوا من ترويض السعودية العربية الأصيلة، وبقيت وعودهم مجرد أحلام صهيونية سقطت تحت صبر وبُعد نظر القيادة السعودية، ودون شك فإن الضغوط والتهديدات الأمريكية ستستمر في محاولاتها لكسر هذا الموقف السعودي المشرف، لكننا واثقون بأن الرياض لن تقدم التنازلات المطلوبة على حساب مواقفها المبدئية التي وضع أساسها الملك الرحل فيصل بن عبدالعزيز طيب الله ثراه.

لقد تغيرت الظروف وتبدلت الكثير من الموازين السياسية في العالم، وكانت السعودية أحد أهم العوامل التي رجحت هذه الكفة على الكفة الأخرى، هكذا وازنت السعودية الموقف من حرب أوكرانيا، وحافظت على أسعار النفط العالمية من خلال اتفاقياتها مع روسيا (أوبيك بلاس) ولم تنجر لتقديم المواقف المجانية لصالح المحور الغربي، بل كانت مصالحها الوطنية والعربية والاسلامية هي البوصلة، فاتخذت موقفاً متوازناً رافضاً الانخراط في خدمة المشروع الغربي،  فساهمت في تهيئة البيئة المناسبة لظهور نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

وحين قامت السعودية بتوقيع اتفاق السلام مع إيران الاسلامية برعاية صينية، كانت تتخذ لنفسها موقعاً متقدماً على الخارطة السياسية العالمية، نائية بنفسها عن الحروب والانزلاق لمزيد من التوترات وشد الأعصاب، عندها جن جنون الصهاينة الذين كانوا يطبلون للحرب ويوقدون نيرانها بين ضفتي الخليج العربي، لكن الحكمة السعودية أطفأت اللهب وأصلحت اتجاه البوصلة التي كان البعض يتصورها في طريق التطبيع مع الصهاينة، فإذا بوجهتها تيمم نحو السلام مع الجارة المسلمة ايران وتنزع فتيل الأزمات فتبّرد كافة الملفات الساخنة.

لقد نزلت هذه الاتفاقية برداً وسلاماً على قلوبنا في منطقة الخليج والمنطقة العربية كافة، وبذلك تهيأت الظروف المناسبة لتعزيز الثقة بالنفس بصورة أكبر، ما ساهم في الإعداد الهادئ لمزيد من الصمود والتصدي للمشروع الصهيوني بعيداً عن الفتن والمنزلقات والخدع والمطبات التي نصبتها أمريكا وحليفتها الصهيونية، وفي ظل هذه الأجواء تمكنت قوى المقاومة العربية من التحضير الرائع لمعركة طوفان الأقصى المجيدة.        

ولأن السعودية اختارت مساراً يثبت رياديتها ودورها القيادي للأمتين العربية والاسلامية والحفاظ على مصالحها الوطنية، لم تكن بحاجة إلى التفكير كثيراً في الموقف الذي عليها اتخاذه عندما اندلعت معركة طوفان الأقصى مع الاحتلال الصهيوني، فبادرت على الفور الى المطالبة بوقف العدوان وحرب الإبادة التي شنها الكيان الصهيوني، وطالبت بتوفير الحماية لاهلنا في غزة وسائر المدن والقرى الفلسطينية المنتفضة، ثم شاركت في اللقاءات والمؤتمرات التي عقدت على عجل لتقييم الموقف.

وعندما وجدت السعودية بأن كل تلك التحركات لم تجدي نفعاً ولم توقف العدوان الصهيوني، سارعت الى إحتضان قمة سعودية أفريقية وأخرى عربية إسلامية، ووفقت في حشد المواقف من أجل نصرة الحق الفلسطيني العربي، وتفنيد الرواية الصهيونية العنصرية التي تبنتنها الادارات الأمريكية والاوربية المتعاقبة، ولأن السعودية تُقرن الأقوال بالأفعال فإنها لم تتوانى عن قيادة فريق دبلوماسي عربي إسلامي يتكون من ثمانية وزراء خارجية يجوب العالم لتحشيد الجهود من أجل وقف الاعتداءات الصهيونية وحرب الإبادة ضد الأشقاء الفلسطينيين.

ومرة أخرى تثبت السعودية بأنها إحدى الركائز الرئيسية في العالمين العربي والإسلامي وأنها تشكل مدماكاُ أساسياً للحفاظ على الحق العربي في فلسطين، المنطلق في حق تقرير المصير واقامة الدولة العربية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف،

فألف شكر وتحية للسعودية الثابتة على المواقف في وجه الضغوط الامريكية والغطرسة الصهيونية والله من وراء القصد.