DELMON POST LOGO

قراءات في برنامج الحكومة .. ارتفاع كلفة فواتير الكهرباء أحد أسباب عزوف المستثمرين بالبحرين

بقلم: الدكتور فهد إبراهيم الشهابي*
كان عنوان البرنامج الحكومي (من التعافي إلى النمو المستدام) وقد صيغ البرنامج الذي حمل شعار (حب التحدي وعشق الإنجاز) ليعزز ثلاثة مبادئ أساسية، وهي الاستدامة والتنافسية والعدالة، مركزا في الوقت ذاته على ثلاثة أولويات، وهي (أمن واستقرار وعدالة – تعافٍ اقتصادي وتنمية مستدامة – خدمة حكومية ذات جودة وتنافسية).
إن المتصفح لبرنامج الحكومة، سيلاحظ بلا شك، رغبة الحكومة في النهوض بمملكة البحرين على كافة الأصعدة، لا سيما الاقتصادية منها ، ففي أول محاور البرنامج، المحور السيادي والتشريعي، جاء مبدأ سيادة القانون كحجر ركيزة لأعمال الحكومة، وهو ما نحتاجه فعليا في هذه المرحلة، فزيادة الناتج القومي، يقابلها وقف للإهدار، فما بالكم لو كان الإهدار خارج إطار القانون. فتفعيل المحاسبة الفعلية لكل شبهة فساد، كفيل بوقف هذا الهدر، مع الوضع بعين الاعتبار بأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته. وفي نفس المحور، أولت الحكومة حقوق الإنسان أهمية كبيرة، تمثلت في وضع خطة وطنية لها، إلا أننا نأمل من هذه الخطة أن تفعل جانبا مهما في آلية رصد ومتابعة الشأن الحقوقي في المملكة، ألا وهو دور مؤسسات المجتمع المدني، فلتلك المؤسسات من الأدوات، ما يجعلها صاحبة تأثير دولي في هذا المجال، ذلك ما يجعل لتقاريرها ثقلا، لا يقل أهمية عن التقارير الرسمية الصادرة من الحكومات.
ومن ثم جاء بند إسهام الحكومة في ترسيخ قيم المواطنة والانتماء، وهو ما تم إيكاله إلى الخطة الوطنية لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة (بحريننا)، إلا أن البرنامج لم يوضح مقدار الزيادة في الموارد المالية والبشرية، المرصودة لتنفيذ استراتيجية هذه الخطة، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة. كما وتضمن المحور لبند ينص على "مشاركة المجتمع في عملية تطوير التشريعات"، وهو بند يحتاج - في رأيي المتواضع - إلى مزيد من الشرح والتوضيح.
أما في ثاني محاور البرنامج، محور البنية التحتية والبيئة، فقد لوحظ ربط تهيئة البنية التحتية للمشاريع التنموية الكبرى، بالاستمرار في توفير خدمات الكهرباء والماء بجودة وكفاءة، في حين أن ارتفاع كلفة فواتير الكهرباء، هو أحد أهم أسباب عزوف المستثمرين مؤخرا عن الاستثمار في البحرين. ناهيكم عن أن تخصيص قطاع الكهرباء لم يطبق بعد، وهو ما سيساهم كذلك في رفع قيمة الفواتير. ليس من المنطقي أن تقوم الحكومة، أو حتى شركات القطاع الخاص بعد التخصيص، ببيع الكهرباء بسعر أقل من سعر الإنتاج، ذلك ما يجعل السؤال الأهم في هذا الشأن هو، كيف من الممكن تخفيض كلفة إنتاج الكهرباء في المقام الأول؟ أما بالنسبة لقطاع السياحة، فهل ستتم الاستفادة من سواحل جزيرتنا؟ وهل سيتم تخصيص جزء أكبر منها للمشاريع السياحية الساحلية أسوة ببقية الوجهات الساحلية العالمية كبوراكاي في الفلبين وكوه ساموي في تايلند؟ والتي ستشكل مزارا مستمرا، صيفا وشتاء، ليلا ونهارا. كما وتطرق المحور إلى رفع كفاءة استهلاك المياه، علما بأنني لا أذكر أي حملة إعلامية مؤثرة في هذا المجال، والمتعلق بعصب الحياة. وبالنسبة لموضوع الأمن الغذائي فقد تطرق البرنامج إلى متابعة مشاريعه بالتعاون مع القطاع الخاص، بينما كان من الممكن اقتراح تشريع، تسند بموجبه مهمة الاستثمارات الغذائية الخارجية إلى الصندوق السيادي لمملكة البحرين (ممتلكات)، على أن توكل مهمة إدارة تلك الاستثمارات إلى القطاع الخاص، إضافة إلى إدارة العمليات اللوجستية المتعلقة بها، بما في ذلك خطط الطوارئ خلال الأزمات، بمختلف أنواعها. كما وقد عرفت البحرين ببلد المليون نخلة، وقد تضمن البرنامج رغبة الحكومة في مواصلة الخطة الوطنية للتشجير، وهو في ظني مشروع يحتاج إلى تعاون الجميع فيه، فهل سيخرج لنا المجلس الجديد بمقترح تشجيعي، كإدراج مكافئة شهرية، حتى وإن كانت دينارا واحدا في فاتورة مياة أي منزل يقوم صاحبه بزراعة نخلة أو شجرة مثمرة فيه؟
وفي المحور الثالث، محور التعافي الاقتصادي والاستدامة المالية، تطرق برنامج الحكومة إلى تعزيز فرص توظيف المواطنين، ولكنه لم يطرح أي خيارات عملية، والتي من أفضلها بحرنة بعض القطاعات، أسوة بدول الخليج، وهو المقترح الكفيل بإيجاد حل جذري لمشكلة البطالة. كما وعرج البرنامج على تعزيز برامج التدريب المهني، والذي يتطلب تعاونا مع مراكز التدريب الخاصة، في الوقت الذي لازالت الحكومة توجه جهاتها إلى قصر التعاون التدريبي مع معهد الإدارة العامة فقط، علما بأنه بإمكان المعاهد الخاصة أن تكمل عمل معهد الإدارة العامة، خصوصا وأن توجهه العام الحالي، علمي لا تدريبي. أما في موضوع استدامة الصناديق التقاعدية، فإنه تجدر الإشارة إلى أن قرار الحكومة المتعلق بطرح التقاعد الاختياري، قد حمل تلك الصناديق ما لا طاقة لها به، وكان ذلك لتفادي مشكلة أكبر. فاستمرار تضخم الباب الأول من الميزانية (الرواتب)، قد ساهم بارتفاع الدين العام للدولة بشكل بات يشكل خطرا على استقرار الاقتصاد البحريني، فجاء قرار برنامج التقاعد الاختياري كمحاولة لنقل المشكلة من الإطار الدولي إلى داخل أسوار الوطن، وبالرغم من ذلك، فمازال الدين العام في تضخم، وإن كان بشكل أصغر، مما يستوجب معه حلولا راديكالية، تحتمها علينا هذه المرحلة الحرجة من الاقتصاد العالمي. فلنتخيل معا استثمارنا للطبيعة الخلابة في جزر حوار، والتي بتهيئتنا للبنية التحتية المناسبة لها، من خلال بناء مطار تجاري داخلي، ومرسى قادر على استقبال السفن السياحية الضخمة، أو حتى بناء جسر يصلها بجنوب البحرين، فإن ذلك سيسمح لنا بإيجاد وجهة سياحية استثنائية في المنطقة، وجهة تتضمن كل ما يرغب (السائح الشاب) في الحصول عليه، من منتجعات فاخرة، ومطاعم، وملاهي ليلية شاطئية، وعروض فنية دولية، ورياضات بحرية، ومحميات طبيعية، وقد تتم إعادة النظر في موضوع افتتاح كازينوهات، أسوة ببعض الدول الخليجية الشقيقة، حتى وإن اقتصر دخولها على غير البحرينيين، والتي من شأنها جميعا أن تنعش اقتصادنا، وأن تساهم في تخفيف الازدحام في بقية أرجاء المملكة. وسيكون هذا المشروع، التطبيق الأمثل لبند جذب الاستثمار الوارد في هذا المحور. أما بند تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في الخدمات الحكومية، فإنه من غير الممكن فصله عن البند اللاحق به، ألا وهو بند تطوير وزيادة كفاءة الإجراءات المنظمة لعملية المناقصات والمزايدات الحكومية. فكثير من الفرص لم يكن بإمكان القطاع الخاص المشاركة فيها، وذلك بسبب عدم وجود تطبيق إلكتروني، ينشر جميع المناقصات والمزايدات الحكومية، ويفرزها للمزودين بحسب طبيعة نشاطهم. يعد تعزيز أنشطة التطوير والبحث والابتكار، أحد أهم المعايير في تصنيف الجامعات دوليا، كما وأن تخصيص شركة عالمية مثل شركة هواوي لما نسبتة 45% من ميزانيتها للبحث والتطوير، كان العامل الأساسي لتبوئها هذه المكانة في عالم الاتصالات، فما هي الخطوات التي ستتخذها الحكومة من أجل تعزيز البحث والتطوير في جامعاتها والشركات المملوكة لها؟ وفي الحديث عن القوة الشرائية للمواطن وسبل المحافظة عليها، فإن استقرار سعر صرف الدينار هو العامل الأهم في ذلك، إلا أن عدم قدرتنا على التحكم في سعر منشأ البضائع، وكلفة نقلها، قد أدى إلى الزيادة الأخيرة في أسعار السلع الاستهلاكية، ولعل الحل لذلك هو التوسع الأفقي في سلسلة الإمدادت لتشمل لوجسيات النقل، وحتى مراكز الإنتاج، ذلك ما سيشكل سيطرة فعلية على الأسعار، وبالتالي الحفاظ على القوة الشرائية. أما فيما يتعلق في سياسة التحول من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي، فإن ذلك سيتطلب جهدا مضاعفا، يندمج فيه نشر ثقافة الإنتاج من خلال غرفة تجارة وصناعة البحرين (غرفة البحرين)، بالتعريف بالفرص المتاحة من خلال وزارة الصناعة والتجارة ومجلس التنمية الاقتصادية، والتعريف بالتسهيلات المتاحة من خلال صندوق العمل (تمكين) وهيئة صادرات البحرين. لنصل في نهاية هذا المحور إلى بند تطوير آليات تحصيل الإيرادات الحكومية، والذي أغفل جانبا مهما، والمتمثل في تطوير آليات صرف المدفوعات الحكومية، فكثيرة هي المؤسسات التي تعاني اليوم بسبب تأخر صرف الجهات الحكومية لمستحقاتها لديها.
أما محور الخدمات المجتمعية، فقد تصدره بند تطوير المناهج التعليمية، وهو من دون أدنى شك، المحور الأهم في برنامج العمل، ذلك ما يستوجب نقلة نوعية في آليات ومخرجات العملية التعليمية بأكملها، وذلك لكي تواكب التغيرات العالمية المتسارعة. إلا أن البرنامج لم يكن واضحا في التوجه العام لعملية التطوير هذه، كل ذلك من أجل عودة الثقة في التعليم العام.
وبعنوان "الاستفادة من خدمات إسكانية متميزة"، جاء هذا البند المهم لأغلب العوائل البحرينية، ولازلت أتسائل، فمع قلة الخير الجغرافي في بحريننا الحبيبة، ألم يحن الوقت لأن يكون استملاك الوحدات السكنية محدد بفترة زمنية، والتي من الممكن أن تكون لمدة 99 سنة أسوة بالشقيقة دبي؟ فهذه الفترة كافية لعيش أربعة أجيال من هذه العائلة في تلك الوحدة، ناهيكم عن أنها غالبا لن تكون صالحة للسكن بعد هذه المدة، وعليه فإنه بالإمكان إقرار قانون يقضي بإعادة بيعها للحكومة بنفس كلفتها الأصلية، وهو ما سيوفر مساحات لبناء وحدات سكنية للأجيال القادمة.
وفي بند زيادة الوعي المجتمعي والوقاية في المجال الصحي، فإن وزارة الصحة في حاجة ماسة لتغيير نهجها، من جهاز للعلاج، إلى جهاز للوقاية، وهو ما يتطلب حملات توعية غير تقليدية، والذي سيؤدي إلى توفير كبير في ميزانية الوزارة على المدى المتوسط. وبالنسبة لبند توفير البيئة اللازمة لتمكين المؤسسات الأهلية من المشاركة في العملية التنموية، فإنني أعتقد بأن ذلك لن يكون متاحة حاليا بالشكل الكامل، وذلك لما هو مفروض على مؤسسات المجتمع المدني من قيود، أتفق مع بعضها، وأختلف مع بعضها الآخر، وهو ما قد يتطلب تعديلات على التشريعات المنظمة لعملها. وهو ما سينعكس إيجابا على البند المتعلق بتعزيز مفاهيم الشراكة المجتمعية والعمل التطوعي. ويأتي بعدها بند رفع تنافسية واستدامة قطاع الإعلام، والذي لا يمكن له أن يتحقق من دون وجود قنوات تلفزيونية خاصة لدينا. ويختتم هذا المحور ببند الحفاظ على الإرث الوطني، والذي لا يمكن أن نكتفي بتعاون السلطتين التنفيذية والتشريعية في تحقيقه، فهو يبدأ من داخل الأسرة.
واختتم برنامج الحكومة بمحور الأداء الحكومي والتحول الرقمي، حيث تطرق هذا المحور إلى بند "تعزيز آليات وأدوات الرقابة في الأجهزة الحكومية"، والذي قد يتطلب تخصيص مكاتب دائمة لديوان الرقابة المالية والإدارية، في جميع الوزارات والهيئات الخاضعة لرقابته، وذلك لكي يكون ممثلوه على اطلاع كامل على سير العمل بداخل تلك الجهات أولا بأول، وأن لا يقتصر اطلاعهم على الزيارات الشبه سنوية، والتي لا تحصر جميع الجهات بشكل سنوي، على أن يتم تدوير ممثلي الديوان في تلك الجهات بشكل أسبوعي، حفاظا على استقلالية تقاريرهم، وأن لا نهمل عملية التدقيق الشاملة في نهاية العام. كما وذكر المحور بند تبني التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، والذي سيكون قريبا، أكبر حدث ساهم في تغيير البشرية. أما في بند "مواصلة تعزيز مفهوم التكامل بين الجهات الحكومية"، فقد أصبحت واضحة للجميع، أهمية تركيز الوزارات والهيئات الحكومية على عملها الأساسي، وبات مهما أن تكون بقية الخدمات المساندة، موكلة لأجهزة متخصصة فيها. فكما تم نقل جميع مدراء المالية لوزارة المالية، وتم بعدها إعادة انتدابهم لوزارتهم، وتدويرهم، حفاظا على مركزية الصرف، وتناغمه مع التوجهات المالية للدولية، فإنه سيكون من المناسب إيكال مهام إدارات العلاقات والإعلام لمركز الاتصال الوطني، ومهام إدارات الموارد البشرية لجهاز الخدمة المدنية، ومهام الخدمات الإلكترونية لهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، ومهام شبكات المعلومات الإلكترونية للمركز الوطني للأمن السيبراني، وقد توكل مهام تطبيقات الذكاء الاصطناعي لهيئة تنشئ مستقبلا لهذا الغرض، وكذلك هي بقية الخدمات المساندة. كما واختتم المحور ببند قياس رضا المتعاملين مع الخدمات الإلكترونية، والتي يتم قياسه حاليا من قبل لجنة، معلن عن أفرادها وعن مواعيد زيارتها، مما يفقدها صفة (العميل السري)، وهي إحدى أنجع الأدوات في قياس رضا المتعاملين.
----------------------------------------------------------------
* الدكتور فهد إبراهيم الشهابي: أكاديمي – مواطن – إنسان.
@DrFahad3500