DELMON POST LOGO

قراءة نقدية تقديمية لرواية " الضحية 69 " للكاتب رسول درويش

بقلم : الناقد البحريني عبدالجبار علي

1- الكتابة من الأسفل:

هذا أقصى ما خرجت به من قراءتي لهذه الرواية، التي راهن فيها الكاتب على معامل الجدة، وعلى ما ستحدثه من إرباك في مستوى التلقي المنتج، وسواء اختلفنا مع ما طرحه أو لم نتفق فنياً، هي تشكل حالة اختلاف واضحة المعالم ضمن سياقها المعرفي والإبستمولوجي، هذا السياق الذي كشفه الكاتب في نسبته إلى أبو التفكيكية " جاك داريدا "، وهنا أضيف معه ميشال فوكو، فهي وبحسب هذه النظرية تعالج جدلية الأنساق والدلالات الرمزية المضمرة في الرواية، والتي تفرزها البيئة الثقافية والحضارية، وتكون الرواية قناعاً مفضلا لها، سعيا نحو تحقيق الانسجام بين ما هو مضمر وما هو ظاهر.

الكتابة من الأسفل، يرتفع فيها صوت الكاتب/ الناقد عبر التلاعب بالنص، والتمرد على البنى التقليدية القابعة خلف كاتب يعيد سرد حكايته ويبسط سلطته عليه، وعبر شهوة التمرد والمشاكسة التي تسكن هذا الكاتب وأعني به مؤلف هذه الرواية. هنا تبدأ الكتابة من القاع، والالتحام بالقارئ من نقطة صفر، من أجل إحداث أكبر قدر من الخلخلة لكل ما هو سائد ونمطي.

الكتابة من الأسفل، هي أنسب توصيف لرواية استطاعت أن تلغي الحدود المحرمة بين النقد والإبداع، فالناقد ناقدٌ والروائي روائي. أما هنا فقد كان الروائي ناقداً وكاتباً، استطاع أن يطير بجناحي العملية الإبداعية، في خفة ورشاقة فائقين، إنها الرغبة المحمومة بتجريب الاثنين في مكان واحد، إنها جدلية التداخل بين الأجناس وغياب الحدود. ثم تسليم النص إلى متلق سيقوم باستكمال ما يجب، أو ربما سيفشل، بناء على درجة تقبله لهذا التجريب أو دعني أقول التدمير البنيوي للعلاقة الشرعية بين مكونات عملية الخلق الإبداعي وأعني بها (النقد والكتابة). وهو أساس المبدأ التفكيكي (Deconstruction) استمع له وهو يقول: " لقد عمدت الضحية 69 على أن توجد تطابقا نسبيا بين الروائي والناقد، بين الراوي وبقية الشخوص بصورة ضمنية أو تصريحية" وللهروب من تكلفة هذا الإثم النقدي، يحاول أن يعدل في مستويات الفهم والتأويل المحتملة، ومسارات توجيه الخطاب الروائي الذي بثه في كل خلايا الرواية، فيقول: " ومن ثم يجب أن نستبعد المطابقة الحرفية والفعلية بين الروائي وشخصية الناقد الرئيسة". على مين؟

وفي خطوة وقائية صادة لتبرير هذا الاشتغال - وقد يتوهم البعض بأن الكاتب إنما اختار هذا التجريب وأعني به نقد الرواية من داخلها وجعل الهامش النقدي جزءاً أصيلا من المتن، اختار ذلك ليقيم جداراً اسمنتياً أمام كل حالة تسلل من قبل النقاد إلى روايته هذه- يشرح لنا الكاتب- في تعقيبه الأخير على الرواية- موقعية الرواية ضمن طبيعة الاشتغال الطبيعي الذي انبنت عليه، رغم كل ما صرح به داخلها من مواقف تجاه النقد والناقدين، الذين يشكلون حالة صداع مزمن بالنسبة له كما يظهر من كل خطاباته الموجهة والمواربة أحيانا لهم. وهو بالمناسبة ما جعله أكثر تمرداً ومشاكسة في خلق مجموع الانحرافات البنيوية في مسارات السرد الروائي التي ظهرت في روايته هذه.

يقول الكاتب في آخر روايته: " وفي هذا النوع من الكتابات الإبداعية التجريبية، على الروائي مراعاة الشحن والتكثيف وكذلك التخييل، وكأنما يعاد طهي شخصية الناقد في المطبخ السردي، ويصبح بعدها الناقد أحد الشخصيات الرئيسة في هذا الجنس من النصوص الأدبية". ثم يكمل قائلا: " ولذلك يمكننا القول إن الرواية النقدية هي بوح مباشر للناقد نفسه، يقوم فيها الروائي بكتابة فكر الناقد وتطلعاته في خط مواز لبناء الشخصيات الروائية المعتادة، أي أن الرواية النقدية هي بوح إبداعي يقوم فيه الروائي بكتابة ذات غيره، تلك الذات الناقدة، وتلك الذوات الروائية".  

2- أفق المتن وأفق السرد:

  في أفق المتن تظهر الحكاية الأساس على لسان البطلة " وارسو". وهي حكاية فجرها " عيسى " الجنين الذي أنكر أبوه نسبه إليه، والذي انتجته علاقة زواج سري بين وارسو والمستشار عبدالرحمن بن عيسى، بعد رفضها للزواج القائم على التحيير من ابن عمها " بطي بن حمدان " وبعد زواجين فاشلين كان الأول من " سعود " والذي انجبت منها ولدين " سوار وموسى " والثاني من " عائض " الذي كان يعاني من مرض تناسلي، اختاره الكاتب ليلمز إلى نسق يضرب في أصل الاختيار ونتائجه عند مجتمع تغلغلت فيه الذكورية الطاغية. وفي غياب " سعد " الناقد البحريني، تنجز السادرة الأولى " وارسو " الجزء الأول من الرواية. ليقوم بعدها هذا الناقد المفترض بإعادة تشكيل هذا المتن وفق منهجيته التفكيكية الفوكاوية أو الداريدية، متلاعباً بمستويات الواقع والمتخيل، في سبيل خلق نص مترسب تحت نصه، ومتلاحم بين تناصين عميقين:

1- تناص السياق الثقافي والديني والعرفي، (وهو ما تحمله ضمير الأنا السادرة في القسم الأول حيث جاء على لسان وارسو البطلة) ومن خلال التعديل في مسار السرد الذي طلبه سعد (المختفي وراء المؤلف) من وارسو حينما طالبها بكتابه سيرتها الذاتية وطبيعة البنية الاجتماعية والثقافية لمجتمعها المحافظ.

2-  وتناص النص النقدي القابع في الهامش لا بصفته الموجهة كما يظهر للقارئ، بل بصفته نصا مكملا لدائرة التبئير التجريبي وخواص الصوت المتعدد.

وهنا يتشكل الأفق الثاني وهو أفق السرد، حيث يتناوب النص بين ثلاث مستويات من الموقع كما تسميه الناقدة يمنى العيد، موقع الراوي، وموقع الشخصية، وموقع الناقد، ففي موقع الرواي نجد الفصل الثالث وهو يتحرر من سلطة الاثنين/ سلطة سعد باعتباره مشاركا في فعل الكتابة وفعل الرؤية والحدث، وسلطة وارسو باعتبارها مركز المتن الروائي مركز التفجر فيها، وفي موقع الشخصية يحضر مرة أخرى الناقد سعد بصفته منقودا لا ناقدا، وتحضر وارسو بصفتها ناقدة لا منقودة، وشاهدة لا مشاركة، وفي موقع الناقد يشتبك المؤلف بذاته المبدعة، ويحاول جاهدا أن يسيطر على مسافة الصفر بينه وبين قارئه، فيحضر في الحادثة ويمارس لعبته في إعادة توجيه الرؤية أو الخطاب عبر وسائله التي ابتكرها وحبكته التي أدارها في مستويات المتن وفي مستويات الهامش.

3- أفق التوقع وانتظار النص:

يتجاوز فعل الكتابة المبدعة عند الروائي المشاكس أفق التوقع لدى القارئ، وصولا إلى حالة الإدهاش على مستوى الملفوظات أو على مستوى البنيات أو على مستوى الخطاب (الرسالة) وهنا يمكن القول بأن وجود هذه الحالة من التنقل بين موقع وآخر أعطى للنص ميزة تتأرجح بين الرفض والقبول نقديا، وهو ما يجب أن أسكت عنه الآن. وإنما يجب، أن يلتفت القارئ الكريم إلى أنه يتعاطى مع نص مختلف لا على مستوى الحادثة والمتن، بل على مستوى المعالجة الفنية وطبيعة التداخل بين مكونات الساردين فيه.

إنها حالة الإحراق والاحتراق النصي كما أسميه، إحراق الذات الكاتبة التي تنصهر في شخوص الرواية، واحتراق الشخصية بفعل كم الأسئلة العالقة التي تم ترحيلها إلى الروائي ليقرر الإجابة عليها، أو السكوت عنها وتركها لقارئه في مساحات الفراغ الشاسعة التي يخلقها في نصه.

وعليه كان الكاتب متفوقا في رأيي في مستويات التوقع، وقد صرح به كثيرا في روايته في الإشارات التي كان يتعمد فيها ممارسة التحرش بقارئه واستفزازه عبر مجموع المضمرات السردية التي وضعها في خزانة خبثه وشيطنته، من مثل : سكوته عن علاقة حرايب وجزعة بوارسو، حتى آخر الرواية، وسكوته عن السائق الهندي " باها" وما كان يفعله من تلصص على وارسو، وأخيرا وهو الأهم، لعبته مع الرقم 69 ومحاولة استثمار طاقته الإيحائية وزجه في شيفرات تم تحويلها نحو واقعية النص ومتطلبات الفضاء المكاني، فهو حينا رقم لغرفة الفندق وحينا رقم لقضية خلع والثالث موجه للقارئ بما يندرج تحت عنوان " إن بعض الظن إثم" هكذا يختبر كل مستويات التوقع ويتلاعب بها.

يقول في أحد تعليقاته على وارسو: " تذكري أنك النص الأول، وأنت دريدا، التي تحمل القيمة الجمالية للنص، إن أي تهاون منك في تحويل النص إلى واقع كفيل بأن تكون نهايته مأساوية، خذي حذرك عند كل كلمة". 118. ألا يعني هذا أن الكاتب أدخل المتن في حالة ما نسميه اكتئاب ما بعد الولادة؟ إنه يقر ضمنياً بنسبة هذا المولود المتن إليه، ثم يعود ليتبرأ من مرجعيته الصارمة التي أحالها إلى بطل الرواية.  

ويقول أيضا: " يا من أنت حبيبتي، (نظرة خاطفة إلى رسول) إن زمن الكتابة أي الخطاب يفترض وجود متلق آني (أنتِ الآن) ولكن زمن الرواية يفترض وجود قارئ ( لاحق )، والقارئ الحديث أصبح جزءاً من الرواية، فهو ليس متلقيا وحسب، وعليه يكون زمن المروي له محدودا، ولكن زمن المتلقي أو القارئ مفتوحا، دعينا نكتب الرواية للجمهور، للعامة، وليس لشخوصها" . 117.

4- حرق المراحل وصدمة النهايات في الرواية:

قام الكاتب في هذه الرواية بالتلاعب بزمنية السرد وزمنية القص، فادخلنا كقراء فيما يشبه اختبارات القدرة، القدرة على تجميع المتناثر، وتفريق المجتمع، لصياغة المعنى الكلي كما نريد نحن لا كما يريد هو، وهنا مظهر آخر من مظاهر التجريب في هذه الرواية، يظهر ذلك في الحوار النقدي في آخر الرواية تقريبا، بعد أن تعترض وارسو على ما أثبته الراوي العليم حول المشهد الحميمي بينها وبين سعد الناقد، حيث جاء هذا الحوار في الهامش:

 

ويظهر في النهاية للقارئ ما يمكن أن نسميه حالة التطهير أو الكاثارسيس، من فعل أو إثم هذا التجريب، يظهر جليا وصول الراوي العليم إلى مرحلة الاعتراف بضرورة الخروج من هذا المأزق البنائي، ومن عدم فتح أي صفائح أخرى قد يترتب عليها دخول رواية أخرى على هذه الرواية، يردد في آخر الرواية بأنه مضطر لإنهائها بأي شكل من الأشكال، والوصول إلى نقطة الختام، هنا يضعنا بين خيارين: الغضب من راويه العليم الذي لم يشبع سقف توقعاتنا، أو التبرير له بحسب ما قدمه من تبريرات تمس ذاته الناقدة لا ذاته الكاتبة.

تصاب بشلل نصفي على إثر خبر نقله إليها سعد يخص ابنها عيسى، وهي إشارة ضمنية موازية لحالة شلل نصفي آخر أحدثه الكاتب متعمدا في مستوى التلقي.

الخاتمة:

يقول الكاتب مخاطبا وارسو / وبالطبع قارئه، على لسان راويه سعد:

ثم يقول:

ويختم قائلا:

هكذا يفترض الكاتب بكل ما أوتي من خطيئة أن هذا النص لم يكتب ليكون مجرد رواية، بل كُتب ليكون نصا مقلقا لجهة مرجعه (بيئته التي خرج منها) ومقلقا لجهة كل الباحثين عن تبعات هذه المغامرة وأعني بهم النقاد الذين ما فتئ الكاتب يتغنى بحبهم أقصد يلعنهم.