DELMON POST LOGO

تدريس مادة التاريخ بالجامعات ودوره في تأسيس الوعي لأيِّ أمةٍ

بقلم : د. شرف المزعل

شهد القرن الحالي جُملةً من الأحداث والتغيّرات التاريخية التي أسهمت في إعادة تشكيل الفكر العربي باتجاه مواكبة العصر، وجعلت الوعي العربي يتحرك باتجاه مراجعة الذات. فقد تأسس الوعي العربي الحديث على نظرة رومنسية للتاريخ لا تهتم إلا بالبطولات والأمجاد، وتجنح أحياناً إلى الأسطورة، مما أنتج وعيا مزيفا ومُضلّلا بواقع التاريخ الذي تتحرك قوانينه كما تتحرّك قوانين واقع العالم المعاصر، مع فارق المتغيرات التي تبقى محكومةً، وإن استجدّت، بقوانين الحركة التاريخية في ماضي العالم وحاضره على السواء. وهي قوانين تشير إلى أن تاريخ الأُمم يرتقي صعوداً ثم ينحدر تراجعاً، ثم يستمر صعوداً في منحى آخر، حسب الإرادة العامة، ولا تُوجد أمة خرجت من التاريخ إلى الأبد إلاّ إذا أصرّت على إعادته بحرفيته المنقضية.  

ويوجز الدكتور محمد جابر الأنصاري وجهة نظر أبن خلدون في علاقة العرب بالتاريخ بنقطتيّن، هما: " الأولى أن العرب يحتاجون إلى تغيير وجهة نظرهم إزاء التاريخ، ومنه تاريخهم، ليعرفوا كيف يجب أن يتعاملوا مع العلم الذي هو حاضر التاريخ البشري؛ فالمسألة ليست مسألة تاريخ وإنما مسألة حاضر؛ والثانية هو دور التاريخ في تأسيس الوعي الصحيح لأيِّ أمةٍ، خاصة إذا كانت تعاني ما يعانيه العرب في حاضرهم، ويمكن أن تمدّهم بعناصر الرؤية الصحيحة لما يمرّون به بدل بكائيّات جلد الذات ". لذا فإن الوعي بحقيقة التاريخ شرط لابدّ منه لفهم واقع هذا العالم، والتعامل معه بالطريقة العلمية السليمة، وليس بالنظرة الشعرية الرومانسية التي لها مكانها في حياة الأفراد والجماعات، ولكن ليس في مجال التعامل مع واقع العلم، لأن مثل هذه النظرة إن بقيت هي المسيطرة على ردود فعل الأمة، فإنها تؤدي إلى الكارثة.

وتكمن أهمية التاريخ لدى الامم كضرورة حتمية يجب أستيعابها من قبل أفراد المجتمع وليس فقط من قبل مؤسساته، فقد كان هيغل، الفيلسوف الالماني ومؤسس العلم الحديث، يرى أن ما يتحقق في التاريخ عبر الصراعات الدامية والأهواء البشرية المتعارضة والهائجة هو الفكر أو الروح: أي العقلانية العميقة. فالتاريخ عقلاني رغم أنه يبدو للمرء فوضويا، مليئا بالحروب والظلم والقهر والتناقضات. وذلك لأن العقل هو الذي يحكم العلم والتاريخ.

فالتاريخ كان عقلانيا وسيبقى على الرغم من كل المظاهر الخادعة والفظائع الجنونية التي قد توهم بالعكس. والتاريخ لا يمكن أن يفهمه إلا عقل فيلسوف. كان هيجل يقول: " ينبغي أن ننظر إلى التاريخ بعين العقل التي هي وحدها القادرة على اختراق السطر المبرقش للأحداث اليومية؛ بمعنى أنه ينبغي للأحداث اليومية المتلاحقة والتفاصيل الصغيرة التي تنهمر علينا يوميا من خلال وسائل الإعلام ألاّ تعمي أبصارنا أو تلهينا عن إدراك حركة التاريخ العميقة التي تربض تحت السطح ". وحده الفيلسوف يستطيع أن ينفذ إليها ويراها، وأن يخترق السطح ليصل إلى الأعماق. إن حركة التاريخ لا ترى بالعين المجردة. تراها عين الفيلسوف فقط، أما الكاتب الصحفي فيظل مبهوراً بالحدث السطحي الآني لا المهم.

والتاريخ، طبقا لتصوّرات هيجل، " يصير باتجاه هدفٍ معين يُدعى فلسفياً بالفكرة العليا أو روح المنطق: أي الوعي بالذات، هذا الوعي الذي يجعل الإنسان حراً ". إن التاريخ " يمشي في اتجاه المزيد من العقلانية، والأخلاق، والنظام، والحرية، وهذا هو هدفه النهائي. إنه يهدف إلى تحقيق السعادة والتقدم المادي والمعنوي للبشر على هذه الأرض ". وبالوقوف عن مدي مصداقية التاريخ، فإن الحتمية في نتائج العلوم الانسانية تكاد تكون محالة، وذلك لأن العلوم الانسانية تستمد تطورها من المتغيرات في المجتمعات البشرية والتى من المحال أن تتكرّر، بل أن كل تجربة تختلف أسبابها ونتائجها، مثلما يختلف تقبّل أفراد المجتمع لها. وفي هذا السياق، تبرز رؤية إدوارد سعيد للتاريخ، وهو أبرز من وقف على تحليل المجتمع العربي من الكتاب والمؤرِّخين المعاصرين، بقوله " وإذا كان من الإجحاف القول بزيف جميع الروايات التاريخية حول الماضي، فإن الكتابات المختلفة للأكاديميين الأوروبيين قد تم صوغها عبر المقتضيات السياسية والآيديولوجية لبناء الإمبراطورية، مترافقة مع الإستعلائية الثقافية والعنصر المتأصل في المخطّطات التي تُلمس في أهدافها السياسية ".

ومهما تلبّس تدوين التاريخ بسطوة المنتصر أو ولاء الكاتب لقضيته أو أرضة أو مفاهيمه، فإنه تتوافر عدة نصوص لذات الحدث المدوّن من قبل كافة الاطراف المشتركة في التجربة التاريخية، وحين يتعرّض هذا القدر كله من التاريخ للتفكيك والتركيب ينتج عنه صيغة تاريخية تحمل أقرب الاحتمالات للحقيقة، كما هو الحال في العلوم التجريبية، والتى لا يمكنها الوقوف على الحقيقة المطلقة، ولذا يجد المتأمِّل لدروس التاريخ أن كل النظريات العلمية التجريبية المخبرية في حالة تطور مستمر، وذلك ذهاباً ناحية الحقيقة، والتى لم تتجلّ حتى الآن.

والتحدي الآخر يكمن في مدى قدرة التاريخ على تطوير أدواته ليواكب العلوم التجريبية والمخبرية في التطور، وإثبات نفسه كعلم يساهم في نهضة البشرية وسعادتها، فبعد مراحل السرد والتحليل والتركيب التى أستخدمها الفلاسفة الاوائل وأنتجوا من التاريخ علوماً ساعدت في صياغة جسد الدولة والمجتمعات، كعلم السياسة ونوع الدول ونوع الحكومات وكعلم الاجتماع وأنواع التواصل بين المجتمعات وعلم النفس وأنواع التواصل بين الافراد، فإن التاريخ لا يزال في تطوير أدواته وصولاً إلى أن تسعفه الملاحظات السابقة في بيان مقدار ما تتحلّى مبادئ التاريخ القديمة بروح النقد. ففي الوقت الذي " كان مؤرخو الماضي يفسِّرون الحوادث وفق مشاعرهم الشخصية ومعتقدات زمانهم، يعتنق مؤرخو الوقت الحاضر بالتدرّج مبدأ الضرورات التي تقيد العالم. وسواء كانت هذه الضرورات حربيةً أم دينيةً أم اقتصاديةً، فإنها تختلف باختلاف الزمن، فيقوم عمل المؤرخ على تعيين الضرورات التي تؤثر في الأمم في مختلف مراحل تطورها.

ويتم التغلّب على صعوبة تفسير الأحداث التاريخية القديمة بفضل الوثائق التي تلقي شيئا من اليقين على حوادث الماضي، فالكتب الحجرية كالمباني والتماثيل والخطوط، وكذلك المؤلفات التي يفترض أنها وليدة الخيال الخالص كالأقاصيص والروايات والأحاديث الزاخرة بالمعارف الدقيقة، فقد صدر التاريخ الصحيح عن وثائقٍ لم يبحث عنهم فيها ". بل أن التاريخ أخذ على عاتقه شيوع المعرفة التاريخية، فوظّف الادوات التكنولوجية في التوثيق والنقل والتدوين والتدريس، ومن هنا فإن صناعة التاريخ عن طريق الصورة يحدّ من التأويل الخاص بالمتلقي، فالصورة عبارة عن عرض صريح ومباشر وواضح لكافة المستويات العلمية لجمهور الناس في حقبةٍ تاريخيةٍ معيّنة.

وضمن هذا السياق، فإن للتاريخ أهمية عظمى تتمثل في المحافظة على هوية الأمة وشخصيتها، بل وعلى قوّتها وقدرتها على الشموخ والاستطالة والاستمرار، فهو ذاكرة الأمة، والذاكرة للأمة كالذاكرة للفرد، وبها تعي الأمة ماضيها، وتفسِّر حاضرها، وتستشرف مستقبلها. ومن هذا المنطلق، فإن التاريخ يساعد الفرد على إدراك الطبيعة الإنسانية، وتطوير النظرة العالمية، وفهم أسباب المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعاصرة، واكتساب مهارات التفكير التاريخي. ومن المهم أيضاً التركيز على الجانب التربوي لمادة التاريخ، فاكتساب المفاهيم يُعدّ من الأهداف الرئيسة للدراسات الاجتماعية عامةً، والتاريخ خاصةً، إذ أن المتعلِّم في هذا العصر لا يحتاج إلى معارفٍ وحقائقٍ بقدر حاجته إلى تحقيق مستوى الفهم للمفاهيم لتطبيقها في مجالات الحياة المختلفة، كما أن المفاهيم " مُكوّن مهم من مكوِّنات محتوى مادة التاريخ التي تتضمن العديد من الحقائق والمعلومات التاريخية التي يتم تنظيمها وتصنيفها تحت مفاهيم يمكن فهمها واستخدامها في تفسير الأحداث التاريخية " أضف إلى ذلك أن التاريخ، كمبحثٍ دراسيٍ، يعين الطالب على تكوين الهوية الوطنية، ويزوِّده بنصائح تفيده في السلوك، فيجعله يعرف نفسه ويعرف عن طبيعة علاقته بغيره، لذا يغدو مهما تدريس مادة التاريخ للطلبة في ضوء الوعي بالتاريخ ومكانته في تشكيل الوعي البشري.